"البابور" .. إرث الأجداد تتناقله الأجيال

لفصل الشتاء ولياليه الباردة طقوس معينة تفرض نفسها على المنازل الفلسطينية، تختلف باختلاف عادات أصحابها وإمكانياتهم، غير أنها وعلى اختلافها تضفي أجواءً من الدفء العائلي في قلوب من يتسلّل إلى أجسادهم برد الشتاء بدون مقاومة.
فمن هؤلاء من يلتف حول أجهزة التدفئة الكهربائية يشاهد التلفاز أو يتبادل الأحاديث المختلفة مع أفراد عائلته، ومنهم من يفضّل وسائل التدفئة التقليدية التي لم تندثر مع مرور الزمن؛ كصوبة الكاز الحمراء الدائرية و"كانون الحطب"، وحتى "بابور الكاز" أو ما يعرف بالـ "بريموس" نسبة للمصنع السويدي الذي قام بتصنيعه لأول مرة منذ أكثر من قرن كامل.


حكاية "البابور"

اجتاحت آلة "البابور" منازل الفلسطينيين في المدن الكبيرة خلال أربعينات القرن الماضي، في الوقت الذي كان فيه أهالي القرى الصغيرة يعتمدون بشكل أساسي على الحطب بسبب الطبيعة الجغرافية لقراهم وكثرة الأشجار والحطب فيها.
ومع انتشار تلك الآلة التي كان يُنظر لها على أنها تكنولوجيا متقدمة في حينه؛ حيث أراحت النساء من عناء إشعال نار الحطب والنفخ وجرف الرماد وغبار الفحم ورائحة الدخان، اكتسب "البابور" قيمة وأهمية كبيرة، لدرجة أنه برز كتقليد أساسي في الأعراس الفلسطينية؛ حيث كانت تحرص الفتيات في وقت من الأوقات على شرائه وحمله معها إلى منزلها الجديد لدى زواجها، كقطعة أثاث هامة.


"سمكري القدس"

تسبّب دخول هذه الأداة إلى حياة الفلسطينيين باستحداث مهنة مُصلح "البوابير" المتجوّل أو ما يُعرف بـ "السمكري"، غير أن هذه المهنة بدأت بالتلاشي خلال العقود الأخيرة مع شيوع الأفران والمواقد الغازية وغيرها من التكنولوجيات التي أعدمت الكثير من الطقوس "صانعة الذكريات"، كما يحلو للبعض توصيفها.
في القدس، يتذكر الكبار والصغار العم "أبو توفيق" الذي اعتاد التجوال في أحياء المدينة وبلداتها، حاملاً عدة صيانة "البوابير" خاصته على ظهره المُنحني، حتى يجد بقعة يستقر للجلوس فيها، فتتجمّع النساء حوله ومعهنّ بوابيرهنّ، فيبدأ بإصلاح الواحد تلو الآخر.
العم جمعة خنفر، صاحب أحد المحال التجارية لبيع "الأنتيكا" في سوق "باب السلسلة" بالبلدة القديمة في القدس، ويعمل في إصلاح "البوابير"، التقته مراسلة "قدس برس" وقال لها "هذا موروث الآباء والأجداد، ولا يُمكن التخلّي عنه مهما جلبت التكنولوجيا من تطوّرات في المدافئ، ويبقى الأصل في القديم"، وفق قوله.
وقال خنفر "إن الناس عادت لاستخدام البابور، بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق، وعدم قدرة المكيّفات والمدافئ الكهربائية على العمل، فكانت الوسيلة الوحيدة هي المدافئ التي تعمل على الكاز أو الغاز".
وأشار إلى أن موقد النار الكازي "يمتاز بسهولة الصيانة، على عكس المدافئ الحديثة التي قد تكلّف الكثير، وما إن تعطّلت حتى لا تجد لها قطع بديلة فتقوم بإتلافها".


"موروث الأجداد لا يندثر"

يقول المواطن المقدسي "أبو محمد" لـ "قدس برس"، "إن البابور هو موروث الأجداد، نحييه في أوقات الشتاء، وخاصة عند انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ واشتداد المنخفضات الجوية".
ويضيف "نتوسّد الأرض حول البابور، نشكّل حلقة دائرية حوله، نضع إبريق الشاي مرة، والقهوة مرة أخرى، يقوم أبنائي بتحميص الكستناء على صفيح حديدي فوق البابور، ويحضّرون المهلبية، وعندما يفرغون تقوم زوجتي بوضع القليل من قشر البرتقال فوق الصفيح حتى تتلاشى رائحة الكاز من المنزل".
ويتابع "الدفء الذي يجلبه الصوت العالي الصادر عن البابور، يُعيد ذكريات أيام ماضية خلتْ، ويعمل على لملمة شمل عائلة فرقتها التكنولوجيا الحديثة"، وفق قوله.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان
تحرير زينة الأخرس

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.