شاهدة عيان تروي لـ "قدس برس" شرارة "يوم الأرض" في "عرابة البطوف"

"يمّا اليهود تحت البيت، تخبوا هسا بطخونا" .. لتنطلق بعدها زخات الرصاص، وقنابل الغاز التي ملأت المكان .. وفجأة سمعنا جارنا يقول: شهيد شهيد بين الزيتون".

أربعون عاما لم تنس فيها المواطنة سهير بدارنة، التي كان عمرها آنذاك 12 عاما، تلك الليلة الدامية، في قرية عرابة (البطوف)، وهي قرية عربية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وإحدى قرى مثلث يوم الأرض الفلسطين.

وبدأت سهير (52 عاما)، حديثها لمراسل "قدس برس"، بالقول "أتذكر تلك اللحظات جيدا، كل ثانية فيها، كل صرخة، حتى دقات قلبي استشعرها، لم يغب عن بالي أي تفصيل، وكأني ما زلت في نفس المكان ونفس اللحظة، أعيشها كل لحظة، في حارة البركة في قرية عرابة، وهي الحارة القريبة على المنطقة التي صادر منها الاحتلال الأراضي عام 1976".

وأضافت: "في ليلة 30 آذار/مارس، دخلت قوة من الاحتلال القرية، قدرت يومها بأكثر من 300 جندي، وقطعوا الكهرباء عن البلدة، كان هناك عشرات الشبان والمواطنين في البلدة، طاردوهم، وحدثت مناوشات وحرق عجال مطاطية، وبعد ذلك أعلن الاحتلال منع التجول عن القرية".

وتصف بدارنة كيف دخل جنود الاحتلال البلدة، وبدأوا بالتخريب والتفتيش، ويصيح الجنود: "كله يدخل على البيت.. كله يدخل على البيت.. منع تجول وإلا بطلع بنطخه"، ومنعوا الناس حتى النظر من الشبابيك، وطالبوهم بإغلاق "التريس"، إلا أن سهير وشقيقها الأكبر حاولا قدر الإمكان النظر للجنود ماذا يفعلون.

وتبحر بدارنة في وصف تلك الليلة، ووصف الحارة التي كانت عبارة عن عدد من البيوت المتباعدة، والتي بينها كروم الزيتون، وتضيف: دخل جنود الاحتلال وفتشوا المنازل بحثا عن الشبان الذين كان يرجمونهم بالحجارة، وحطموا زجاج الشبابيك، وخربوا في المحتويات، حتى أنهم فتشوا زريبة مواشي لجيراننا، بحثا عن الشبان".

وأشارت بدارنة إلى أنه خلال ذلك الوقت، سمعوا صوت إطلاق رصاص حي بشكل كثيف، وبعدها بدأ كل الناس بالصراخ، وكانوا يصيحون بصوت واحد: طخوا شب بين الزيتون، في شهيد، وهنا بدأت الناس كلها بالخروج من منازلها، رجالا وشبانا، وحينما حاولت سهير الخروج خلف أبيها وأخوتها، أمسكتها أمها بشعرها، وشدتها للداخل، وقالت لها: "بس الزلام بطلعوا، ما بصير نطلع، هسا بطخونا".

وأضافت سهير: اختبئنا مع أمي وشقيقتاي في إحدى الغرف، عندها سمعنا صوت إمرأة تصيح: "استشهد خير.. استشهد خير"، وعرفناه فيما بعد أنه الشهيد خير وفيق ياسين، وبعد ذلك رأينا جموع كثيرة من الناس تدخل بيتنا وبيوت الجيران، لتختبئ من جيش الاحتلال.

وتوضح بدارنة قائلة: "حركة الناس، صراخهم، أطفال نساء شباب، حركة غير طبيعية، في الوقت الذي تصدح فيه مآذن المساجد بإعلان اسم الشهيد خير ياسين، وتطلب من الناس جميعها الخروج للشوارع رغم منع التجوال المفروض على القرية، والذهاب لبيت الشهيد، الكل خرج في منظر لن أنساه أبدا، وكلنا خرجنا".

وتعود الذاكر التي لا تفارق سهير بدارنة مخيلتها، وتصف لنا تلك اللحظات: لن أنسى صرخات أم الشهيد خير وهي تهجم على جثمان ابنها بين الزيتون، وتصرخ بكل قوتها: "قتلوك يما.. قتلوك يا حبيبي، الله يوخذكم"، صرخات تصفها سهير إلى أنها حتى اللحظة ترن في أذنها، وكأن الصرخة هذه اللحظة، رغم أنها لم تكن تبلغ من العمر سوى 12 عاما.

وترى بدارنة أن ذلك اليوم، كان يوم الأرض بامتياز، لقد هبّ الناس جميعا من أجل الأرض، ومن أجل الشهداء، الجميع خرج، رجالا ونساءً، أطفالا وشيوخا، "أمي التي كانت تقول بس الزلام بطلعوا، خرجت وخرجنا معها، ذلك الخوف من أولئك الجنود فجأة تبدد، شعرنا بقوتنا وإصرارنا على حقنا، أشعلت دماء خير ياسين جذوة القوة فينا".

وبعد أربعين عام على ذلك اليوم المحفور في ذاكرة فلسطيني، بيّنت سهير بدارنة أن ذلك اليوم كان هو يوم الأرض بامتياز، وكل سنة يمر عليه، نفقد شيئا جديدا، واليوم أصبح "يوم الأرض" مجرد ذكرى لدى الكثير، ولا يعدو عن مسيرة في الذكرى، أو إضراب جزئي هنا أو هناك".

وتشعر بدارنة في كل عام بذلك الوجع، وجع فقد الشهداء، ووجع فقدان الغيرة على الأرض كما كانت في تلك الأيام، رغم أن المعركة اليوم أشد وأخطر بنظرها، مضيفة ان الاحتلال يعمل بكل قوة لكي وعي الشباب الفلسطيني في الداخل المحتل، وإرهابه وتخويفه وزرع الجبن في نفوسنا، في مقابل غياب دور الأحزاب والحركات الوطنية عن توعية الشباب لخطر الاحتلال ومشاريعه الرامية لتضييع القضية وقتلها ووئدها.

وتقارن بدارنة بالسنوات الأولى لذكرى يوم الأرض واليوم بقولها: كنا نخرج من مدارسنا، ونغلق المدارس، ونذهب للدكاكين ونغلقها، ونعلن الإضراب الشامل، كنا نتحرك سويا وبكل قوة، كنا نشعر بالحب الحقيقي للوطن والأرض ولتربتها التي روتها دماء الشهداء، لكن اليوم، لا يعدو يوم الأرض عن مسيرة خطابية نسمع فيها خطابات مكرورة "لا تغني ولا تسمن من جوع".

وختمت سهير بدارنة في حديثها لـ "قدس برس"، أنه وبعد 40 عاما من إنطلاق شرارة يوم الأرض، إلا أننا اليوم وبدلا من أن نرفع سقف النضال الوطني، فإننا نشهد إنزال لسقف النضال للأرض، حتى أصبح هناك إحباط لدى كثير من الشباب من هذه الخطوات النضالية الشكلية، لكن.. الأمل موجود، فالحق لا يضيع"، بحسب قولها.

ويحيى الفلسطينيون اليوم الأربعاء الذكرى السنوية الأربعين ليوم الأرض التي استشهد فيها ستة فلسطينيين وأصيب 11 بجروح في هبة شعبية لفلسطيني عام 1948، الذين صادرت خلالها سلطات الاحتلال أراضي في منطقة الجليل بهدف تهويدها وهو ما دفع الفلسطينيين في الداخل للتحرك والتحضير لإضراب شامل.

ورافق قرار الحكومة بمصادرة الأراضي إعلان حظر التجول على قرى سخنين، عرابة ، دير حنا، طرعان، طمرة، وكابول، ليعمّ إضراب عام ومسيرات من الجليل إلى النقب وأندلعت مواجهات أسفرت عن ارتقاء ستة شهداء فلسطينيين، وأُصيب واعتقل المئات.

ويعتبر يوم الأرض حدثاً محورياً في الصراع على الأرض ومحطة هامة وبارزة في تاريخ النضال الفلسطيني، وتحول إلى مناسبة يؤكد فيها الفلسطينيون تمسكهم بالأرض وتصديهم لسياسة الاستيطان الإسرائيلية.

_______

من زيد أبو عرة
تحرير إيهاب العيسى

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.