"قطار الطعام".. فكرة وليدة "الأسر" تنال الحرية في شوارع رام الله

حاول الاحتلال الإسرائيلي، عبثاً، تحطيم إرادة الأسرى الفلسطينيين وتحويلهم إلى عبء يثقل كاهل المجتمع بعد تحريرهم من سجونه، الأمر الذي يواجهه الأسرى بالرفض والإصرار على بناء الذات أكاديمياً وثقافياً واقتصادياً، تحدياً لمخططات الاحتلال التي تستهدف كل مظاهر الحياة والنضال والنجاح لدى الفلسطينيين.

يتطلّع الأسيران خلدون البرغوثي وعبد الرحمن البيبي، بالكثير من الشغف والطموح لمستقبلهما المهني وتطوير مشروع صغير نجحا في إطلاقه لإعانتهما على تأمين مصدر رزقٍ لعائلتيهما، في ظل الأوضاع المعيشة الصعبة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فقد ابتكر البرغوثي وزميله البيبي فكرة جديدة، أبدعا من خلالها بتطبيق ما اكتسباه من خبرة في صنع الطعام داخل السجون ليدّخراها معًا في مشروع "قطار الطعام"، وهو عبارة عن مطعم متنقل يجوب شوارع مدينة رام الله وضواحيها، بحثاً عن الرزق.

الأسيران المحرران عاشا معًا رحلة طويلة داخل معتقلات الاحتلال التي أكلت من أعمارهما، وأذاقهما السجان الإسرائيلي فيها الحزن والألم قبل تحريرهما؛ حيث أصرّا منذ ذلك الوقت على مواصلة طريقهما والبحث عن لقمة عيش لهما ولعائلتيهما، ومن هنا جاءك فكرة "المطعم المتنقل" والتي تتيح لهما التنقل والتجوال والترحال كثيراً، وهو ما كانا محرومين منه طوال سنوات الأسر.

المحرر البرغوثي (43 عامًا)، من قرية كوبر شمالي رام الله، قال إن الفكرة ولدت داخل السجن، حيث كان يفكر مع رفيقه عبد الرحمن بمشروع خاص يكون مميزًا وغير تقليدي، إلى أن توصّلا إلى هذه الفكرة، مستفيدان ممّا تعلماه داخل السجون واكتسباه من خبرة إعداد الطعام للأسرى.

وأضاف في حديث لـ "قدس برس" أن "هيئة شؤون الأسرى لم تبخل عليهم بالمساعدة المطلوبة، وقدمت لهما الأوراق اللازمة لتسهيل إجراءاتهم أمام الدوائر المختصة، بالإضافة للمساعدة في موضوع القرض المالي عبر أحد البنوك تحت ما يسمى المشاريع التمويلية للأسرى".

وأشار البرغوثي (أمضى ثماني سنوات في سجون الاحتلال) إلى أنه تقاسم مع زميله عبد الرحمن، ترتيبات ومهمة تجهيز الباص وإعداده ليكون مطعمًا متنقلًا، بعد تصميمه بطريقة فنية جميلة وجذابة.

وبيّن أن مشرعهما "صديق للبيئة"، لا سيما وأنه يعمل على نظام توليد التيار الكهربائي عبر الخلايا الشمسية التي ثُبّتت على سطح الباص، مؤكدًا "للاستغناء عن الوسائل المكلفة والمزعجة بذات الوقت، خاصة مولدات الكهرباء التي تُصدر أصواتًا ودخانًا يمكن أن يزعج محيط المنطقة التي سيتوقف عندها المطعم المتنقل".

لم يَغِب عن مشروع عبد الرحمن وخلدون أي تفصيل صغير "قد يُعيق يومًا عملهما في مشروع وفكرة ربما هي الأولى من نوعها في شوارع رام الله"، فزودا مطعمها المتنقل بـ "بطاريات لتخزين الكهرباء"، يُمكن الاعتماد عليها في حال لم يكن الجو مناسبًا لتوليد التيار الكهربائي من الطاقة الشمسية.

وقال البرغوثي أنه وزميله المحرر البيبي (35 عامًا)، والذي أمضى تسع سنوات داخل سجون الاحتلال، يقضون ساعات طويلة في العمل تبدأ من ساعات الصباح الباكر، حتى ساعة متأخرة من الليل.

وتابع في مقابلة مع "قدس برس"، "نستغل بعض الأوقات للتنقل بالمطعم من أمام المدارس صباحًا، إلى محيط الوزارات ظهرًا، ومن ثم إلى أماكن تجمع المواطنين في ساعات المساء، ونحرص على التواجد في الأماكن السياحية والمنتزهات في أيام العطل الأسبوعية".

ورجح الأسيران "إمكانية توسيع المشروع، وتجهيز مطاعم متنقلة جديدة، وإشراك أسرى محررين آخرين في الفكرة".

وشدد البرغوثي على أن فكرة "المطعم المتنقل" لاقت إعجاب الناس ورواجًا كبيرًا خلال الفترة القصيرة التي مارسوا فيها هذا العمل، مشيرا إلى أن خدمات المطعم تتنوع بين تقديم الوجبات السريعة، بالإضافة إلى العصائر والمشروبات المتنوعة.

ولفت إلى أنهما بصدد تجهيز زاوية، يستطيعوا من خلالها تقديم المساعدة للعائلات المحتاجة، مبينًا أن تلك الزاوية ستخصص لترويج حلويات تقوم بصناعتها عائلة فلسطينية فقدت مُعيلها، كمساهمة وشكل من أشكال الدعم لها.

ورأى البرغوثي أن السجون "لا تقف عائقًا أمام إبداع الأسرى بعد تحررهم"، فبالرغم مما يعانيه الأسرى داخل السجون، إلا أنها تكون في كثير من الأحيان "منطلقًا للإبداع والخبرة".

وكشف المحرر خلدون البرغوثي عن مواجهتهما لعراقيل "خلقت لديهم إصرارًا على استكمال المشروع"، داعيًا في الوقت ذاته مختلف المؤسسات الرسمية والأهلية إلى دعم الأسرى المحررين وتقديم كل ما يحتاجونه ليستطيعوا الاندماج مجددًا في معترك الحياة من جديد.


ـــــــــــــ
من محمد منى
تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.