"جنرالة الصبر".. ربع قرن من عمرها قضتها متنقلة بين السجون

تقعد آمالًا على صفقة التبادل القادمة

والدة الأسيرين لا تفارقها صورة نجليها

"جنرالة الصبر".. هكذا يطلقون عليها في الداخل الفلسطيني المحتل، لا تكلّ ولا تملّ، قضت ما يزيد عن الـ 25 عامًا من حياتها متنقلة بين السجون ومن اعتصام إلى آخر، رغم الإعياء والمرض وكبر السن، إلا أنه يحدوها أملٌ، بلقاء قريب بفلذتي كبدها، يضع حدًا لعذابٍ ذاقته وألم فراقٍ تجرعته، وينهي معاناة عمرها، الذي لم تجد فيها أي طعم للحياة والفرحة في ظل غيابهما.

كل ما تتمناه سعدة اغبارية "أم محمود" وهي في الثمانينات من عمرها ووالدة الأسيرين الشقيقين محمد وإبراهيم اغبارية، أن تقبل ابنيها وتحضنهما دون حواجز، وأن تسعد بالقرب منهما، كما كان الحال وهما طفليْن.

وتقول "أم محمود"، "معنوياتي عالية جدًا، وأملي بالله كبير بأن يمنّ بالفرج على أبنائي وعلى جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وأن تتحول مناسبة يوم الأسير إلى يوم تحرير، وسأواصل النضال حتى يُطلق سراح نجلي وأضمهما إلى صدري ككل الأمهات".

وكان محمد (49 عامًا) وإبراهيم اغبارية (51 عامًا) من بلدة "المشيرفة" قرب مدينة أم الفحم شمال فلسطين المحتلة عام 48، والمحكومين بالسجن المؤبد 3 مرات و15 عامًا، قد نفذا عام 1992 برفقة آخرين، عملية معسكر جلعاد على أراضي "الروحة" في وادي عارة، حيث قُتل فيها 3 جنود وجرح 5 آخرين.

 

ليلة الاعتقال

وتتذكر أم محمود ليلة اعتقال نجليها، وتقول "كنا نائمين ليلة 26 شباط/ فبراير 1992، حين استيقظنا على أصوات طرقات عنيفة على الأبواب وصراخ جنود الاحتلال حول المنزل، كانوا بالمئات وربما بالآلاف".

وتضيف لـ"قدس برس": "اعتقلوا أبو محمود وأبنائي الأربعة بما فيهم إبراهيم ومحمد، ومن ثم أفرجوا في وقت لاحق عنهم وأبقوا فقط على إبراهيم ومحمد"، وهكذا بدأت رحلة المعاناة والتنقل بين المحاكم ومن ثم بين السجون.

وأشارت إلى أن المعاناة زادت مع وفاة نجلها الأكبر محمود، قبل نحو 4 سنوات بعد صراع مع المرض، حيث توفي دون أن يتمكن إبراهيم ومحمد من وداعه، وحتى "رفضوا أن نحضر جثمانه إلى السجن لكي يروه من بعيد"، وفق أم محمود.

وأضافت، أن إبراهيم ومحمد تنقلا بين العديد من السجون، ولا يوجد سجن إلا زارته، وحاليًا يقبع أحدهما في سجن "جلبوع" والآخر في "نفحة"، حيث ترفض سلطات الاحتلال جمعهما مع بعضهما، لفرض مزيد من المعاناة عليهما، كما لا يُسمح إلا لأم محمود فقط بزيارة نجليها، علمًا بأن والدهما مريض، ويعجزان عن رؤيته.

 

معاناة الزيارة

وتتحدث عن معاناتها خلال  الزيارات، فهي تضطر للسفر بعد صلاة الفجر مباشرة، "وهناك ننتظر ساعات أمام السجون حتى يسمحوا لنا بالدخول"، بعد تفتيش دقيق غير منطقي، يتعرض خلالها الأهالي إلى معاملة مذلة من قبل مصلحة سجون الاحتلال، حيث يسمح للأهل من الدرجة الأولى فقط بزيارة الأسرى، ويُمنعوا من إدخال الطعام والكتب لهم، "حتى محارم الورق يمنعوننا من حملها عندما نكون مرضى أو نعاني من الرشح والإنفلونزا". ويجري الحديث بين الأهل والأسرى عبر حاجز زجاجي سميك، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وتضيف الحاجة أم محمود، "منذ اعتقالهما وحتى اليوم لا يغيبان عن بالي إطلاقًا، ففي كل صلاة أتذكرهما وأدعو لهما ولجميع الأسرى بأن يُفك أسرهم"، وتقول بأنه يتوجب على المفاوضين الفلسطينيين العمل على إطلاق سراح نجليها، و"المخرج الوحيد لإطلاق سراحهما فقط هو صفقات التبادل؛ بعد أن فشلت مفاوضات السلام والتي كانت خدعة في إطلاق سراحهم"، وفق قولها.

وأضافت: "نحن نطالب حماس والقيادة الفلسطينية والمقاومة أن لا ينسوا أسرى الداخل، فهم جزء رئيسي من الشعب الفلسطيني وهم أصل القضية وجوهرها وضحوا من أجل كرامة الفلسطينيين، ليس في الداخل فقط وإنما في الضفة وغزة والشتات، وصمودهم من صمود الجميع، لذلك لا يجوز التخلي عنهم ويجب وضعهم على سلم الأولويات في أي صفقة تبادل قادمة، وإلا سيبقون في السجن طوال حياتهم".

 

اعتقلوا دفاعًا عن الشعب الفلسطيني

وتابعت الحاجة قائلة: "عندما زرتهم لأول مرة، سألتهم لماذا فعلوا ذلك، قالوا لي لم نتمكن من تحمل رؤية دماء الشعب الفلسطيني وأطفاله تنزف في غزة والضفة وقررا الانتقام، ولذلك أقول لأهلنا في الضفة وفي غزة لا تتخلوا عن أسرى الداخل".

وتقول "أم محمود" بأنه كان لديها أمل أن يُطلق سراح نجليها ضمن صفقة "شاليط" (وفاء الأحرار)، وبعد ذلك كان لدينا أمل أن يُطلق سراحهم ضمن الإفراج عن الأسرى الذين اعتقلوا قبل توقيع اتفاق أوسلو، ولكن تأخير إطلاق سراح أسرى الداخل إلى الدفعة الرابعة كان خدعة وقلت ذلك لقراقع وقدورة فارس وللرئيس عباس قلت لهم "ضحكوا عليكم"،  خلال اجتماع لتكريم أهالي الأسرى في أريحا، قلت لهم "إسرائيل تخدعكم ولا تريد أن تفرج عن أبنائنا".

وتضيف: "أولادي كانوا من أحسن الشباب، ربيناهم على الإسلام وكانوا يحبون مساعدة الآخرين، الأمر الذي جعلهم محط احترام من قبل الجميع، ومعنوياتهم في السجن عالية، وبدلًا من أن أرفع معنوياتهم، هم يرفعون من معنوياتنا".

وأكمل محمد دراسته خلف القضبان، واستطاع الحصول على الشهادة الجامعية في العلوم السياسية عام 2005، وكان قريبًا من نيل شهادة الدكتوراه، إلا أن قرار سلطات الاحتلال منع التعليم الجامعي للأسرى بعد أسر الجندي "جلعاد شاليط" أعاق ذلك.

وتقول "أم محمود" أن لابنها محمد العديد من الإصدارات الأدبية والسياسية، منها: "دليل القادة في فن القيادة"، و"عرب الداخل بين وهم الكنيست وسراب المساواة"، و"لمعات في عتم الزنازين"، و"عرب الداخل جزء من الصراع".

أما إبراهيم فحصل على شهادة جامعية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

وذكرت أن محمد لدى اعتقاله كان عريسًا جديدًا، و"ما زالت زوجته عندنا تنتظر لحظة إطلاق سراحه"، أما الأسير إبراهيم فكان متزوجًا، لكنه تفرق عن زوجته وتقدم  لخطبة الأسيرة منى قعدان من بلدة عرابة (جنوب جنين) وعقد قرانه عليها، وأطلق سراحها ضمن صفقة "وفاء الأحرار"، وأعادت قوات الاحتلال اعتقالها في  3 تشرين ثاني/ نوفمبر 2012.

وأضافت: "كل ما أتمناه أن أرى أولادي حولي، وكلما يفرج عن أسير أدعو الله أن يفرحني كما فرح أهل هذا الأسير، وهم كلما يروني يتمنون أن يخرجوا لكي يعوضوني أنا ووالدهم عما مر بنا من معاناة".

وشددت الحاجة "أم محمود" على أن هناك "إهمال وتقصير كبيرين" بحق الأسرى، ويجب أن تبقى قضيتهم حاضرة في كل يوم وليس في مناسبة يوم الأسير فقط.

ــــــــــــــــــــ

من سليم تايه

تحرير زينة الأخرس

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.