عبد الحميد أبو سرور.. حكايةُ شهيد ترك بصمة "قاتلة" للاحتلال وارتقى بسلام

الثامن عشر من  نيسان/ أبريل الماضي، كان يومًا هادئًا، لم يشهد أي عمليات ضد أهداف إسرائيلية في القدس المحتلة، سوى رشق الحجارة، حتى عاجل ذاك الهدوء دويّ انفجار غربي المدينة (قرب تلبيوت)، سرعان ما اشتعلت النيران في إحدى الحافلات الإسرائيلية، ليتم الإعلان من قبل شرطة الاحتلال أن عطلًا فنيًّا سبّب هذا الحريق ولا إصابات في المكان.

لكن وبعد ساعات على الحادثة، عادت الشرطة الإسرائيلية وأعلنت أن عبوّة ناسفة زُرعت داخل باص "إيجد"، ما أدى لاحتراق حافلتين ومركبة أخرى، وإصابة ما لا يقل عن 21 إسرائيليًا، وُصفت جراح بعضهم بالخطيرة.

ذاك الحدث لم يمر مرور الكرام على عائلة أبو سرور، من مدينة بيت لحم (جنوب القدس المحتلة)، والتي اختفت آثار نجلها عبد الحميد قبيل العملية بيومين (...)، ولم يخطر ببال العائلة أن تكون عملية فدائية، وأن المنفّذ هو ابنها عبد الحميد، بسبب التصريحات الأولية للشرطة حول التفجير.

وقد انتشر نبأ اختفاء عبد الحميد في بيت لحم، وبدأت عملية البحث المتواصل عنه في أوساط الأجهزة الأمنية والمشافي الفلسطينية والارتباط الفلسطيني كذلك، بحيث لم تتوصل عائلته لأي نبأ عنه.

هنا بدأ الشبّان في مخيم عايدة، وكذلك في بيت جالا (مكان سكن الشهيد) بتناقل نبأ العملية، والشكوك حول أنّ عبد الحميد قد يكون منفّذها، أمّا "أم أحمد" (والدة عبد الحميد) فبدأت تساورها الأفكار والشكوك "هل يكون عبّود؟!، أيُعقل ذلك؟!"، وبقيت حائرة إلى أن تم استدعاء والده من قبل مخابرات الاحتلال والتحقيق معه، ثم محاولة التعرّف على نجله الذي كان يقبع في إحدى المشافي الإسرائيلية، لكنّه لم يستطع ذلك بسبب جروحه البالغة.

وتقول والدة الشهيد أزهار أبو سرور لـ "قدس برس"، إن لحظات عصيبة عاشتها العائلة خلال اليومين اللذيْن سبقا العملية، فلم تعتد أنّ ولدًا من أولادها قد يخرج دون أن يقول لها، أو أن ينام خارج المنزل.

وتضيف: "عادة، عندما يفصل هاتف عبود (كما تُحب والدة عبد الحميد مناداته) بشكل مفاجئ، بسبب نفاذ الشحن، كان يتّصل بي من هاتف أحد أصدقائه، ويصل إليّ بأي وسيلة، أما يومها فلم يتّصل بي".

قبيل العملية بيومين، جلسوا جميعًا (عائلة الاستشهادي عبد الحميد أبو سرور) على طاولة واحدة، تناولوا غداءهم معًا، ثم جلس عبد الحميد ووالدته وشام، داعب الطفلة شام قليلًا ثم قرّر أن يخرج لشراء "البوظة"، كان الجو حارًّا، خرج عبد الحميد من المنزل ولم يعد حتى اليوم.

تلك الـ "بوظة" كانت حجة ساقها عبد الحميد كي يستيطيع الخروج من المنزل، ويذهب في طريقه نحو القدس، وتحديدًا إلى هدفه "باص 12" غربي القدس المحتلة، والذي سلك من خلاله طريقًا للثأر.

 

المُقاوم الحنون..

كان أبو سرور كلّما سمع عن مواجهات قرب الحاجز الشمالي لمدينة بيت لحم أو في مخيم عايدة، يذهب على الفور، ويشارك في التصدّي لقوات الاحتلال، إلى جانب تأثّره بما يشاهده عبر التلفاز والمواقع الإلكترونية من انتهاكات يُنفذها الاحتلال وقطعان مستوطنيه في الأراضي الفلسطينية.

وتصف والدة عبد الحميد علاقته بمن حوله، "كانت جميلة مع جميع الناس، ويُفسح المجال لأي صداقة مع الشبّان الذين حوله ليكسب قلوبهم جميعًا، كانوا بالأمس يحبّونهم ويتعلّقون به وبصداقته، اليوم يحبّونه أكثر ويفخرون به شهيدًا لفلسطين ومدافعًا عن الوطن".

"ماما يللا نروح على الجنّة، ليش يا ماما؟ علشان نروح عند الدكتور، عبّود هناك في الجنّة"، كم هي برئية أفكار الأطفال، كانوا يقولون لها إن شقيقها "عبّود" قد ذهب إلى الجنّة، واعتبرت بأنّ الجنّة طبيب نذهب إليه لفترة ثم نعود، لكنّ "عبّود" لم يعد حتى الآن.

تلك كلمات "شام" الطفلة ذات العامين وبضعة شهور، حبيبة الشهيد عبد الحميد أبو سرور منفّذ عملية "باص 12"، كما أسماها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، وهي شقيقته التي ملأت عليهم حياتهم، فعندما جاءت إلى الدنيا كان عبد الحميد يبلغ من العمر نحو 17 عامًا، كان يترك كل شيء من أجلها، ويساعد والدته "أزهار" من خلال إطعامها وتغيير ملابسها واللعب معها طوال الوقت.

 

المشاكس المازح

استُشهد عبد الحميد (عبود كما تحبّ أمّه أن تناديه)، فقد كان شابًا مُفعمًا بالحيوية والنشاط، كان مشاكسًا مازحًا، يحبّ أمه وتحبّه، وهزّها نبأ استشهاده، وما يؤلمها حقًّا هو عدم دفنه حتى اليوم، وفقًا لقولها.

فالشهيد أبو سرور وسبعة شهداء آخرين ما زالوا محتجزين في ثلاجات الاحتلال، ويُحاول ذووهم القتال والضغط على المحتل من أجل استعادة جثامينهم، حيث أن بعضهم محتجزون منذ شهر تشرين أول/ أكتوبر 2015.

تقول والدته: "أفتقد كل شيء يتعلق بعبّود، أفتقد دقّة الباب بقوّة وهرع شام وهي على يقين بأن عبّود هو من أتى إلى المنزل، اليوم كلما سمعت شام هذا الصوت هرعت إليه لكنّها لا تجد عبّود فهو لم يعد هنا".

ــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.