محلّلون إسرائيليون: فشل الانقلاب في تركيا جعل من أردوغان "رقما صعبا"

تباينت آراء المحلّلين السياسيين الإسرائيليين إزاء المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا مساء أمس الأول (الجمعة)، وقراءاتهم لموقف حكومتهم الذي أُعلن عنه عقب ثبوت فشل الحراك الانقلابي؛ حيث حرصت تل أبيب على الصمت والترقّب بحذر ساعات طويلة أعقبت بدء توالي الأنباء عن انقلاب عسكري في تركيا يسعى لإسقاط حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، وانتهت باحتفالاته مع الآلاف من أنصاره في مطار "أتاتورك" الدولي بمدينة إسطنبول، ابتهاجا بإحباط المحاولة الانقلابية.

ولم يخفِ هؤلاء المحلّلين معاداتهم لشخص الرئيس التركي الذي أخضع حكومتهم برئاسة بنيامين نتنياهو لشروط وصفوها بـ "المذلة" في إطار اتفاق المصالحة لتطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، والذي تعهدت بموجبه الأخيرة بدفع مبلغ 20 مليون دولار لعائلات الضحايا الأتراك الذين قضوا جرّاء الاعتداء الإسرائيلي على سفينة "مرمرة" أثناء إبحارها لكسر الحصار عن قطاع غزة، عام 2010.

غير أنهم رأوا أن فشل الانقلاب أسهم في زيادة الشعبية التي يحظى بها الرئيس التركي؛ حيث التفّ حوله الشعب بمختلف أطيافه ومكوناته؛ بما فيه أحزاب المعارضة، كما أن هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة جعلت من أردوغان رقما صعبا عصيا على الهزيمة، بحسب تقديرات المحللين الإسرائيليين.

واعتبروا أن الشعب التركي بنزوله إلى الشارع ليلة الانقلاب، استجابة لدعوة وجهها رئيسهم في مقابلة عبر الإنترنت مع قناة "سي إن إن تورك" لم يتجاوز عمرها ثوانٍ معدودة، اختاروا "بين السيء والأسوأ"، واصفين (المحلّلون) أردوغان بـ "ديكتاتور معادٍ للديمقراطية".

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي براك ربيد في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، "إن مشاعر مختلطة سادت يوم الجمعة ليلًا في إسرائيل؛ فما كان أحد في حكومة نتنياهو سيذرف دمعة لو كان أردوغان قد وجد نفسه صبيحة يوم السبت، معتقلًا، بدل أن يحتفل مع أنصاره في مطار إسطنبول بتصفية التمرد".

وربط ربيد بين حالة الصمت الإسرائيلي الرسمي الطويل التي أعقبت خبر الانقلاب، وبين موقف المجتمع الدولي المماثل، لافتا إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية كانت قد قرّرت عدم الإسراع بالرد وانتظار اتضاح صورة وحقيقة الأوضاع، وفحص ردود المجتمع الدولي حول الأحداث.

وكانت تل أبيب قد أصدرت بيانًا مقتضبًا للإعلام حول محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، على لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها، قالت فيه إن "إسرائيل تحترم الإجراء الديمقراطي في تركيا وتتوقع استمرار عملية المصالحة بين البلدين".

بدوره، رأى المحلل تسفي برئيل، أنه يمكن لمحاولة الانقلاب العسكري في تركيا أن تشكل رافعة ضخمة للرئيس رجب طيب أردوغان، في تحقيق طموحه بالتحول إلى "الرئيس القاهر، وتحقيق انقلاب دستوري".

وزعم أن أردوغان "سيستغل مشاعر الجمهور المعادية للثورة والغضب على محاولة الانقلاب، بتغيير الدستور كما يشاء، وهذا يعني حصوله على صلاحيات تنفيذية واسعة، تجعله رئيسًا للسلطة التنفيذية في البلاد".

واعتبر برئيل أن "السنوات الأخيرة عززت صورة أردوغان كزعيم لديمقراطية غير ديموقراطية، بعد قيامه بهز الجهاز القضائي، عبر فصل مئات القضاة والمدعين (...)، ولكن عندما يمنح الجمهور فرصة إسقاط نظام أوتوقراطي واستبداله بسلطة عسكرية، يتم اعتبار الخيار العسكري أشد خطورة".

وذكر أن الجيش التركي، رغم أن غالبيته وقف إلى جانب السلطة، سيتلقى ضربة قوية؛ ليس فقط من قبل أردوغان، الذي بدأ جولة تطهير شاملة، وإنما أيضًا من قبل الجمهور وحتى خصوم الرئيس.

ورجح المحلل الإسرائيلي أن يلجأ أردوغان لسلسلة من الخطوات من أجل تحقيق الاستقرار وإظهار سيطرته إزاء الغرب (...)، مضيفاً "بالنسبة له ستكون هذه فرصة لإخضاع الجيش كله للقانون المدني، وربما لتغيير بنيته وطابع المهام الملقاة على عاتقه".

وكتب أيال زيسر في صحيفة "يسرائيل هيوم" أن فشل محاولة الانقلاب في تركيا يدل على أن الجيش التركي، الذي يرعب السياسيين، "قد تحول إلى حيوان أليف، ومرة أخرى لم يعد بمقدوره عمل ما يشاء في الدولة".

وأضاف "الجيش التركي لم يعد متماسكًا كما كان، والتزامه بالدفاع عن ميراث أتاتورك، واستعداده للتدخل في الحياة السياسية في الدولة، تآكل ولم يعد قائمًا".

وأشار إلى أن "الانقلاب العسكري تم من قبل عدد من الضباط الهامشيين، وليس بموافقة غالبية رفاقهم وقادتهم، وأن فشله يظهر أن لا أحد في تركيا يرغب بالعودة إلى أيام الانقلابات العسكرية السابقة، لا سيما وأن أردوغان ومع كل الانتقادات الموجهة اليه، هو حاكم انتخب في انتخابات ديموقراطية ويتمتع بنسبة تأييد واضحة".

وتابع "تركيا فضلت ديمقراطية مدرسة أردوغان على السلطة العسكرية، ولكن في ضوء شطب الجيش كلاعب سياسي في الدولة، سيضطر من يشعرون بالقلق إزاء محاولات أردوغان النيل من ميراث أتاتورك وتقييد الديمقراطية في البلاد إلى العثور على سند ومدافع أفضل من ضباط الجيش".

من جانبه، قال السياسي الإسرائيلي السابق يوسي بيلين في مقال له نشرته "يسرائيل هيوم"، "إن الحل الذي أوجده مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا العلمانية، للحفاظ على الدستور، تمثل في جعل الجيش مسؤولًا عن تطبيق الدستور، لكنه شكّل تناقضًا للإطار الديموقراطي، الذي يعبر عن رغبة الشعب (...)، وكان أردوغان بالذات، حين كان رئيسًا للحكومة، هو من دخل في صراع مع القيادة العسكرية لبلاده، ونجح بتقييد قوة الجيش إلى حد كبير".

وأضاف بيلين "محاولة الانقلاب التي صدمت الجميع، أثبتت بأن سيطرة الجيش ليست خطوة بسيطة، وأن تغيير السلطة لا يمكن أن يقود إلى انقلاب فوري في أكبر وأهم تنظيم في الدولة".

واستطرد "هذا الانقلاب كان يجب أن يكون أقل مفاجئة مما حدث، فلم يكن بالإمكان منع محاولة الانقلاب فقط بواسطة الشبكات الاجتماعية، ومن يدعي أن هذه الشبكات استبدلت ميدان المدينة يعلم مدى خطأ هذه المقولة خلال الليلة الحاسمة بين الجمعة والسبت (...)، ونزول الناس إلى الشوارع بعد دعوة أردوغان أثبت أنهم لا يريدون العودة إلى سنوات الدكتاتورية العسكرية، بكل أبعادها السياسية والاقتصادية، وأنهم يفضلون الديمقراطية المعيبة على سلطة الجيش المتكاملة ظاهرًا".

من جانبها، قالت سمدار بيري الكاتبة في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن "صورتان ستبقيان محفورتان في الذاكرة، وترويان حكاية الانقلاب القصير والغريب الذي انطلق بضجيج كبير وتم صده بسبب هواية"، وفق قولها.

وأشار إلى أن الخبراء سيشيرون إلى مزيج من سلسلة اخفاقات حدثت على ساحات المواجهات، ويقظة أصحاب الحواس الحادة والمصالح السياسية في تركيا، والمؤرخون سيشيرون إلى الدور الحيوي للمساجد التركية في إخراج الملايين لتظاهرات التأييد؛ المفتاح في أيدي الوعاظ.

وأكدت بيري أن أردوغان "لم تخنه حواسه السياسية"، وأن محاولة الانقلاب لم تكن مفاجئة كليًا له، "لأن الاستخبارات التركية حذرت من تنظيمات خفية في صفوف الجيش، لكن أردوغان، الذي اختفى عن أعين الجمهور منذ ستة أيام، أصر على الخروج لعطلته المخططة مسبقًا".

ورأى بن درور يميني في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، بأن فشل الانقلاب العسكري في تركيا "من شانه أن يجعل من الزعيم أردوغان أقوى، والديموقراطية أكثر ضعفًا، كما أن فرصة هزم أردوغان بواسطة مركز القوة العلماني، تساوي صفر؛ حيث نجح الرئيس التركي خلال العقد الماضي في إضعاف مراكز القوة العلمانية، وعلى رأسها الجهاز القضائي والجيش والشرطة ووسائل الإعلام، وفرض ديمقراطية عرجاء"، وفق قوله.

وأضاف "توجد للانقلابات العسكرية رائحة سيئة دائمًا، ولكن عندما يمثل الجيش قيم الدولة العلمانية بالذات، وتمثل السلطة المنتخبة التدهور نحو اتجاه أكثر إسلامي، ليس من الواضح أن قرار الغالبية يعكس المشهد الشامل".

 

ــــــــــــــ

من سليم تايه
تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.