مدير عام "الإيسيسكو" يدعو إلى المواءمة بين الديني والدنيوي

أكد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، أن احتكار الدين من لدن بعض الحركات السياسية والفكرية التي تقول إنها تتحدث باسم الدين، وإقصاء الدين عن السياسة من قبل بعض التيارات السياسية والفكرية التي تقول إنها علمانية، يشكل تحدّياً يواجه المجتمعات العربية الإسلامية خلال هذه المرحلة العصيبة التي تعيشها.

وقال التويجري، في محاضرة له ألقاها بندوة أقامتهة "مؤسسة أصيلة" ضمن مهرجانها السنوي مهرجان تحت عنوان (النخب العربية الإسلامية : الدين والدولة): "إذا كانت ثمة أسبابٌ كثيرة تؤدي إلى الالتباس في فهم مدلولات تعاليم الدين ومفردات نظم السياسة، مما يُوقع في الخلط وتنشأ عنه الأزمة، فإن تحديد المفاهيم وضبطَها، وتحرير المصطلحات وتأصيلَها، هما المدخل إلى الفهم السليم، وإلى التفاهم المُبْعد للاختلاف الذي يُـفـضي إلى الخلاف، وما يترتب عليه من مضاعفات تنعكس على الوئام الاجتماعي، وقد تكون لها آثـارها المضرة على الاستقرار السياسي".

وذكر التويجري "أن التعدّد في المفاهيم الرائجة يُضيِّـق من مساحة الفهم والتفاهم"، وقال: "إذا كانت المفاهيم تنبع من الثقافة السائدة، وتستند إلى الخصوصيات الروحية والثقافية والقانونية، فإن التعامل مع المفهوم، وليكن (الدين)، أو (السياسة)، ينبغي أن يقوم على أساس من الاستيعاب العميق لتلك المضامين والبناء عليها".

وبيَّن أن الإسلام لم يحدّد نمطاً معيناً للدولة لا يتجدد ولا يتطور، بل وضع المبادئ وأرسى الأسس ورسم المعالم وحدد الإطار وترك للمسلمين انتهاجَ ما يرونه ملائماً لواقعهم، ومناسباً لمستجدات حياتهم، ومستجيباً لقضايا عصرهم في ظلَ مقاصد الشريعة، ولم يأت بنموذج واحد للحكم وبأي شكل محددٍ للسياسة.

وأضاف: "إن إضفاء الصفة الإسلامية على أي نوع من الحكم أو على السياسة، هو تجاوز لا أصل له، إذ ليس في معجم مفردات الثقافة الإسلامية، أو العلوم الشرعية، مصطلح (الحكم الإسلامي)، أو (السياسة الإسلامية)، أو حتى مصطلح (الدولة الإسلامية)".

وتابع: "في تراثنا الفقهي والعلمي الغنيّ التليد، كمٌّ كبيرٌ من المؤلفات التي بحثت مفاهيم الحكم والسياسة من حيث العلاقة بين الدين والسياسة، تحت مسمى (السياسة الشرعية)، أو (الأحكام السلطانية)، وقد محّصت هذه المؤلفات المسائل المرتبطة بالحكم وبالسياسة العامة للدولة، مما خلّف لنا زاداً معرفياً غنياً جديراً بأن نعود إليه ونستلهمه ونستفيد منه في تأصيل العمل العام الهادف إلى إصلاح المجتمع وتقدمه وتطوره والنهوض به، أياً كانت المناهج المعتمدة فيه والطرق السالكة إليه ما لم تخرج عن سبيل الحق والعدل والفضيلة واحترام الكرامة الإنسانية".

وبيَّن أنه "على هذا الأساس، يُنظر إلى الجماعات والأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية التي ينسبها أصحابُها إلى الإسلام، والتي لا يجوز أن يُنسب الإسلام إليها، ويحكم عليها بالشروط المعتمدة في المنهج الإسلامي القويم، ولمعرفة ما إذا كانت المقاصد المرعية هي خدمة المجتمع الإسلامي والنهوض به من النواحي كافة، وحفظ المصالح العامة والحقوق الإنسانية لجميع المواطنين، وحماية الهوية الروحية والثقافية والتشريعية والحضارية، وإقامة العدل، بالضوابط المحكمة وبالوسائل الحكيمة، في غير ادعاء وشطط، أو تشدّد وتعسف، أو تطرف وغـلـوّ".

وأوضح التويجري "أن مفهوم الحكم كما هو متداول اليوم ومعتمد في العلوم السياسية، ليس هو المقصود بـ (الحكم الشرعي)، الذي هو مفرد أحكام، وهي الكليات العامة والقواعد الجامعة في الشرع الإسلامي، وكذلك هو الشأن مع مفهوم (السياسة)، التي هي فن حكم المجتمعات البشرية".

وأكد التويجري أنه "إذا كان احتكار الدين للسياسة بالمعنى السلبي المتداول، لا يجوز وفق المنهج الإسلامي في الحكم، فإن إقصاء السياسة للدين تعصّبٌ مرفوضٌ وضيقُ أفقٍ مذموم، لأن في ذلك عدواناً على الدين بقدر ما فيه من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان".

وأوضح "أن ما يجلب المنافع ويحمي المصالح ويحقق أشواق الإنسان إلى الحياة المستقرة التي توفر له الكرامة والحرية والعدالة، هو الاعتدال في الأمور كلها، والنظر إلى الدين باعتباره حقاً مُشتركاً لا يحقّ لأي فريق احتكاره، كما لا يحق لأي فريق ازدراؤه وإقصاؤه".

ودعا إلى "المواءمة بين الديني والدنيوي، في معادلة تحفظ حقوق المواطنين، وتقيم العدل في المجتمع، وتصون هوّيته وخصوصياته الحضارية، في غير انغلاق وجمود، ولا انفلات وجحود".

وأكد التويجري، أن "الإسلام لم يحدد نمطاً معيناً للدولة لا يتجدّد ولا يتطور"، وقال: "من الضروري الأخذ بالتجارب السياسية والإدارية والتنظيمية التي ثبت نجاحها في تسيير شؤون الدول، وفي تحقيق العدل والمساواة وحفظ الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية، وتنزيهُ الإسلام بصفته وحياً إلهياً، عن ربطه دائماً بمتاهات السياسة ومناورات السياسيين التي هي اجتهادات بشرية متعدّدة، منها ما هو صائب، ومنها ما هو خائب، وذلك في إطار ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد"، على حد تعبيره.

وتختتم بعد غد الخميس في مدينة "أصيلة" بشمال المغرب، المطلة على المحيط الأطلسي بشمال فعاليات الدورة 38 لمهرجان أصيلة الثقافي.

والمهرجان نظمته "مؤسسة منتدى أصيلة" في الفترة من 15 إلى 28 تموز (يوليو) الجاري بمشاركة نحو 400 مثقف ومفكر وفنان من عدة دول ينخرطون في ندوات وأمسيات على عادة المهرجان الذي انطلق لأول مرة عام 1978.

ويشرف على المهرجان، وزير الخارجية المغربي السابق ورئيس بلدية "أصيلة" الحالي محمد بن عيسى، وهو مهرجان منفتح على مختلف الحضارات، ويستضيف مثقفين من مختلف أنحاء العالم.

ويغلب على المشاركين في مهرجان "أصيلة الثقافي" انتماؤهم للتيارات المحسوبة على "الحداثة"، مما يجعل من القراءات المقدمة للخطاب الديني خاصة في ندوات هذا المهرجان تعبيرا عن وجهات نظر لتيارات بعينها.  

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.