معصرة الجبريني.. شاهدةٌ على تاريخ وعراقة المدينة المقدّسة

عمرها أكثر من 250 عاما وما زالت تعمل حتى اليوم وتنتج الطحينة

ما إن تصل المفترق ما بين سوق "خان الزيت" و"طريق الواد" في البلدة القديمة بمدينة القدس، حتى تجد على يسارك مسارًا يوصلك إلى معصرة للطحينة عمرُها مئات السنين، في عقبة اسمها "الشيخ ريحان"، ولمجرّد الدخول إليها، تشعر بقِدم المكان من القباب والحجارة، التي تدلّل على عراقته الأصيلة.

معصرة الطحينة، توارثها الأبناء من الآباء والأجداد، وأعادوا فتحها من جديد بعد أن أغلقت لفترة وجيزة؛ هي مِلك لعائلة الجبريني منذ أكثر من 140 عامًا، إلّا أن عمرها أكثر من 250.

ويقول صاحبها إسحق الجبريني "أبو رائد"، "ورثنا عن والدي مهنته، رغم أننا كنّا نعمل في مهن أخرى، لكنّنا أصبحنا نعي تمامًا مع مرور الوقت الكنز الحقيقي الذي تُرك لنا".

وأضاف خلال زيارة "قدس برس" للمعصرة، أن والده عملَ فيها أكثر من 100 عام، "كبداية كان يعمل كأجير فيها منذ أن كان عمره ثماني سنوات، لكن مع احتلال المدينة عام 1967 استطاع أن يصبح مالك المعصرة، حيث كان يعمل وحده، وبعد أن صار عمره 108 سنوات لم يعد يقدر على الاستمرار".

متابعًا: "قرّر والدي أن يُغلق المعصرة، مُكرهًا على ذلك، وبعد نحو تسعة شهور من الإغلاق، قرّرنا أنا وأخي أن نترك مهننا ونفتح المصنع من جديد، ونعمل معاً".

مستدركًا: "افتقدنا حقًّا عودتنا من العمل باتجاه محل والدي واحتساءنا الشاي والقهوة مع الأحبة والأصدقاء، ولم يهن علينا أن نتركه مغلقًا أكثر (...) أذكر أنني كنت في الـ25 من عمري حينها".

رخصةٌ ما قبل قيام "الدولة العبرية"

كانت المعصرة تعمل بترخيص قانوني، إلّا أن سلطات الاحتلال قرّرت سحب الترخيص بحجج "واهية"، كما أفادت عائلة الجبريني، التي قامت بتوفير جميع المتطلّبات من أجل إعادتها.

وأوضح إسحق الجبريني، "سحبت سلطات الاحتلال ترخيصنا قبل نحو عشر سنوات، مبرّرة ذلك بعدد من الأمور غير المتوفّرة في المعصرة، وبعد أن قمت وإخوتي بتحقيق جميع المطالب التي قُدّمت لنا؛ بنى تحتية ووضع بلاط حول الحجارة التي نستخدمها في تحضير السمسم، والكهرباء والماء والمرافق، التي كلّفتنا عشرات آلاف الشواقل، لم تُعط الرخصة لنا".

وبيّن أن "الحجة الأخيرة هي وجود قرار سياسي إسرائيلي يمنع وجود أي مصنع في البلدة القديمة، ولذلك لا يُمكن إعطاء الترخيص".

عدم وجود ترخيص يُحمّل صاحبه تبعات جديّة ليست لصالح أصحاب المصانع في أي مكان، فلا يُمكنك أن تبيع منتجك في الأسواق الدولية أو أن تصدّر كميات كبيرة لبيعها في الخارج.

وأشار الجبريني إلى أن هناك "مئات الزبائن الذين يتوافدون يوميًا إلى المعصرة، ولأنّهم يقدّرون ما معنى أن تُصنع الطحينة في فرن عربي، فهم يدفعون ويطلبون بكميّات ضخمة لكننا لا نستطيع توفيرها لهم بسبب عدم وجود شهادة إنتاج".

مستطردًا: "الحمد لله .. لدينا محلّنا الصغير داخل المعصرة حيث نبيع منتجاتنا فيه".

تحضيرات مُرهقة ما قبل البيع

أمّا عن طريقة التحضير التقليدية فهي تستغرق ساعات طويلة جدًا، ولعلّ أصعبها أن تقف ثماني ساعات على فرن الحطب، لا تستطيع أن تخطو خطوة هنا أو هناك، أو أن تقرّر الذهاب للصلاة.

أحواض من الماء والملح لتقشير السمسم لـ 3 أو 4 مرات، ثم تجفيفه في الفرن حيث تستغرق تلك العملية ثماني ساعات، وبحسب "أبو رائد" الجبريني فهذا العمل يحتاج إلى مجهود بدنيّ وصبر على الوقوف بشكل متواصل.

ويُضيف لـ "قدس برس"، "تسمّى طريقة تحضير الطحينة القشرة والبشكرة، كما أننا ننتج الطحينة الحمراء أو السيرج، والبيضاء، وطحينة القزحة أو حبّة البركة، (...)، ونبيع أيضًا الدّبس الذي نقوم بتحضيره بأنفسنا (...)".

ويُمكن لأي شخص أن يلاحظ الفرق بالمذاق بين طحينة تلك المعصرة التي تعمل حتى اليوم منذ مئات السنوات على الطريقة التقليدية، وتلك التي تُنتج في المصانع الحديثة.

ــــــــــــــ

من فاطمة أبو سبيتان

تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.