ذكريات الشيخ أحمد ياسين في عيون أسرته

رغم انشغالاته الكثيرة ليلاً ونهاراً، إلا أنه كان يخصص وقتاً لأسرته، يحاول أن يقضي معهم كلّ لحظة بروح مرحة، فهو كما تصفه العائلة، إنساناً مرحاً، بعيداً عن تلك الصورة التقليدية النمطية، التي رسمها الإعلام للشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، والذي تصادف اليوم الذكرى الـ13 لاغتياله بطائرات الاحتلال.

وُلد الشيخ ياسين عام 1936 في قرية "الجورة" قضاء المجدل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ولجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين عام 1948، حيث استقرّ في مخيم "الشاطئ" للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة.

تعرّض في شبابه لحادث أثناء ممارسته الرياضة، نتج عنه شلل جزئي بداية، ومن ثم امتد ليطال جميع أطرافه شللاً تاماً.

تميز الشيخ ياسين منذ صغره بالاتزان والتعقل وإدراك الأشياء مبكرا والإقدام على المشاريع، حيث افتتح مطعما صغيرا على شاطئ البحر منذ أن كان عمره 14 عاما وكان يديره بشكل ممتاز لمساعدة عائلته.

كان شجاعاً، يحب الدعابة، خجولا وطموحا بلا حدود، يحبّ التعليم بشكل كبير، كما اعتاد ممارسة الرياضة بكل أنواعها لا سيما السباحة، وكان نشاطه منقطع النظير.

ارتبط الشيخ ياسين من ابنة عمه (حليمة) وهو في سن الخامسة والعشرين من العمر، وكان يقطن آنذاك في مخيم "الشاطئ" الشمالي للاجئين غرب مدينة غزة، وأنجب منها 11 من الأبناء (3 ذكور و8 إناث)، أكبر الذكور محمد يبلغ من العمر (46 عاما)، والبنت الكبرى له هي عايدة.

كانت علاقته مع جيرانه مميزة، حيث أحبّه الجميع في المخيم قبل أن ينتقل إلى منطقة "جورة الشمس" جنوب حي الصبرة في مدينة غزة، ليعيش في بيت متواضع بسقف من القرميد.

وعزز الشيخ علاقاته مع جيرانه قبل أن يصبح هذا البيت المتواضع، المكان الذي تم فيه تأسيس واحدة من كبرى الحركات الإسلامية على مستوى العالم وكبرى الفصائل الفلسطينية، وهي حركة "حماس".


الأب الحنون

ويصف عبد الحميد ياسين (43 عاما) نجل الشيخ، والده بأنه كان أبا نموذجيا وحنونا، وقد "ربانا على الدين وحب الوطن وكان صبورا جدا".

وقال ياسين لـ "قدس برس": "رغم المشاكل التي كانت تحيط بأبي إلا أنه كان يخصص وقتاً للجلوس مع أسرته، حيث تغلب عليه روح الدعابة والمزاح، فلا يوفر جهدا في إدخال السعادة على أهل بيته وأولاده ويجلس معهم ويستمع لهم ولمشاكلهم ويعمل على حلها".

وأضاف: "أبي ربانا على حبّ الإسلام وتطبيق شرع الله وكان يحرص على معاملة الناس أحسن معاملة".

وأوضح أنه حتى حينما كان معتقلا فإنه كان يتابع كل صغيرة وكبيرة عن البيت وأحوال أبنائه وبناته ويعمل على حلها من خلال تقديم النصائح لهم، ويقوم برفع معنوياتهم في السجن رغم حالته الصحية الصعبة.

وتابع قائلاً: "كان يستخدم طرقاً سحرية في حل المشاكل وغالبا تكون طرق غير مباشرة ويتابع كل صغيرة كبيرة عنا وعن أبنائنا".

واستطرد ياسين:"حينما تزوجت عام 1995 كان والدي معتقلا ولكنه كان على اطلاع وعلم بكل ما أقوم به وكان دائما يحرص على توجيهي من خلال الزيارات التي كانت تقوم بها والدتي وعمل على حل الكثير من المشاكل التي واجهتنا وهو داخل السجن".

وقته ممتلئ

من جهته، أوضح نجله الأكبر محمد (46 عاما)، أن والده كان يبدأ يومه بصلاة الفجر ثم يقرأ ورده اليومي من القرآن الكريم ثم ينام قليلا ليصحو في السابعة تقريبا، يتناول طعام الإفطار ثم يبدأ باستقبال الناس وحلّ مشاكله.

وأضاف: "أبي لم يكن يجد وقتا للراحة رغم وضعه الصحي والأمراض التي كانت تلم به وظل يستقبل الناس طوال اليوم حتى الحادية عشر ليلا أو بعدها بلا كلل ولا ملل ولا يرد أحداً يأتي إلى بيته".

وأوضح أن علاقات والده الاجتماعية كان واسعة جداّ بحكم وضعه الاجتماعي "رجل إصلاح"، قبل أن يصبح قائدا لحركة "حماس"، فكان قطاع غزة بأكمله، دون استثناء على علاقة جيدة به، وهذا "كله كان واضحا عند الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية، فحتى اللذين يخالفون حماس الرأي لم يكونوا يكرهوا الشيخ وهذا كله بسبب معاملته الطيبة للناس".

وتابع: "فهو لم يكن يعرف الحقد على أحد ويقابل الجميع بالإبتسامة التي كانت ما كانت تفارق محياه ولا أنسى علاقته مع الأقارب والجيرا، فرغم انشغاله، كان لهم حظاً من وقته."


الإصلاح بين الناس

وحول دوره في إصلاح ذات البين، فإن الشيخ ياسين لعب دورا هاما على مستوى غزة والضفة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وقال رجل الإصلاح كمال اللوح لـ "قدس برس": "كنا نلجأ للشيخ ياسين في القضايا الصعبة والمعقدة وكان له طريقة مميزة في تبسيط المشكلة والنظر لها من كافة جوانبها كي لا يظلم أحد".

وأضاف: "خلال عقد الثامن من القرن الماضي كانت ذروة عمل الشيخ في الإصلاح بين الناس سواء على مستوى القطاع أو الضفة أو حتى المناطق المحتلة عام 48، إضافة إلى أنه عمل على حلّ مشاكل لأناس في الأردن".

وأشار اللوح إلى أن مسيحيين كانون يأتون للشيخ كي يحل لهم مشاكلهم وذلك لمعرفتهم بعدله، فقد حلّ عدداً منه للمسيحيين في قطاع غزة، واستطاعوا أن يستردوا أموالاً وعقارات فُقدت منهم.

واعتبر أن عمل الشيخ ياسين في الإصلاح، عطّل عمل المحاكم، "فالكل كان يتوجه له لحلّ مشكلته"

وأشار إلى أن ذلك أزعج الاحتلال، الذي أقدم على اعتقال عدد من رجال الإصلاح الذين كانوا يتواصلون معه، وحكم عليهم بالسجن بتهمة الإصلاح بين الناس، وهذه كانت سابقة في تاريخ المحاكم الإسرائيلية.

وقال: "كنا نعمل باسم الشيخ ياسين، فعندما نذهب لأصحاب أي قضية لحلّ مشكلتهم، كنا نقول نحن جئنا من طرف الشيخ ياسين، فمجرّد أن نقول هذه الجملة تنتهي المشكلة فورا."

واختتم حديثه بالقول: "افتقدنا الشيخ ياسين بعد استشهاده، ولكنه زرع بذرة الإصلاح وأسّس لهذا العمل في كل مكان".

ويحي الشعب الفلسطيني اليوم الأربعاء الذكرى السنوية الثالثة عشر لاغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، حيث أطلقت عليه طائرات حربية إسرائيلية في مثل هذا اليوم عام 2004 عددا من الصواريخ، وهو خارج من صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي القريب من منزله، ليستشهد وبرفقته عدد من المصلين دون أن يشفع له كرسيه المتحرك الذي لازمه منذ شبابه.

_______

من عبد الغني الشامي
تحرير ولاء عيد

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.