التقارير الإسرائيلية حول الأسرى.. رسائل حقوقية أم مجرد صورة؟

داخل أقبية سجن "مجدو" الواقع شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، تحتجز إسرائيل قرابة 1500 فلسطيني، تنتهك أبسط حقوقهم وتمارس ضدّهم أساليب متنوعة من القمع والتعذيب، حُجبت تفاصيلها عن عدسات الكاميرات الإسرائيلية التي انتقت زواياها الخاصة داخل المعتقل وزنازينه لإنتاج تقرير مصوّر غيّب كمّا هائلا من فظائع ما يعانيه الأسرى الفلسطينيون.

ورغم ذلك تباينت الآراء على الساحة الفلسطينية بين أوساط الحقوقيين، فمنهم من رأى أنها فرصة لإيصال الواقع الحقيقي الذي يقبعون فيه للجمهور الإسرائيلي، وآخرون شككوا في حقيقة ما تخفي هذه الخطوة من خبايا داخلها.

التقرير الإسرائيلي الذي بثته قناة "YES" الإسرائيلية الخاصة، على جزئين، سيُبث ثالثهما غدٍ الأربعاء، صّور على مدار عام كامل في سجن "مجدو" الذي يبلغ عدد الأسرى المعتقلين بداخله ألفا و400 أسير فلسطيني.


سجن مجدو في سطور ..

سجن "مجدو" يقع في منطقة مرج ابن عامر ضمن حدود مدينة حيفا جنوب غرب مدينة العفولة وشمال غرب جنين.

وقد تمّ افتتاح معتقل مجدّو للأسرى الأمنيّين الفلسطينيّين، في شهر آذار/مارس من عام 1988 مع بدء الانتفاضة الأولى.

يُعد ثاني السجون من حيث الاكتظاظ. ويوجد فيه 1440 أسيرا، ويوجد فيه قسم مخصص للأسرى الأشبال من بين سن 12-18 عاما.

يعتبر أسوأ السّجون من حيث الحياة المعيشيّة من كنتينة أو معاملة. وإنّه من الصّعب وصف معاناة الأسرى في ظلّ افتقادهم للاتّصال بأهلهم ؛حيث يندر وجود أجهزة اتّصال تساعدهم على ذلك.


تقرير القناة "YES" 

أظهر التقرير مقتطفات تعكس الاجواء الاعتقالية التي يعيشها الفلسطينيون داخل سجن "مجدو"، مسلّطا الضوء على روتينهم اليومي وما يتخلّله من تفاصيل، فضلا عن المرور العابر على إجراءات إدارة السجون، وعمليات الاقتحام والتفتيشات المفاجئة، وحتى الإجراءات الاحتجاجية التي ينفذها الأسرى، "غير أن ما أظهره التقرير من المشاهدات الحقيقي لا تشكل شيئا بالنسبة للواقع المُعاش"، وفق ما يؤكده أسرى محرّرون.


"نجاح جزئي"

الأسير المحرر عبد الباسط الحاج، من مدينة جنين (شمال القدس المحتلة)، أوضح أن ظهور الأسرى في التقرير الإسرائيلي، جاء بعد دراسة مستفيضة أجراها هؤلاء، وموافقتهم كانت بعد اشتراطهم على ضرورة نقل الصورة كما هي، وعدم اجتزائها لخدمة أهداف إسرائيلية.

ويقول الحاج البالغ من العمر 46 عاما، خلال حديث مع "قدس برس"، "هذا التقرير كان فرصة لكي تظهر المَشاهد التي تعكس واقع السجون، والحياة التي يعيشها الأسرى، كما تحمل في مضمونها رسائل إنسانية".

واعتبر الحاج الذي أمضى نحو 15 عاما في سجون الاحتلال باعتقالات متكررة، أن الصور والمشاهد ستصل إلى الجمهور الإسرائيلي وكذلك المجتمع الغربي، لتؤكد أن الأسرى الفلسطينيين هم بشر كغيرهم، لديهم عائلات وآمال وطموحات ككل الناس، لا مثلما يحاول البعض أن يقول أنهم "إرهابيون وقتلة".

ولفت المحرر إلى أن التقرير الذي استغرق تصويره نحو العام في سجن "مجدو"، عايش كل حياة الأسرى، وأخرج مشاهد لأول مرة عن زنازين عزلهم، والاقتحامات المتكررة التي يتعرضون لها، الأمر الذي من شأنه أن يقرب الصورة للذين لم يخوضوا هذه التجربة، أو المدافعين والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية.

ورأى أن التقرير نجح لدرجة ما في نقل واقع السجون، ونفى ما حاولت عائلات إسرائيلية قُتل أبناؤها في عمليات للمقاومة، الترويج له بأن "من هم داخل السجون قتلة ولا يستحقون الحياة".

وتابع "تحدث أسرى خلال التقرير أن لديهم حلم كغيرهم بالحياة مع عائلاتهم، وأن ما دفعهم للقيام بما قاموا به هو للرد على ما يرتكبه الاحتلال بحق شعبهم من قتل وإرهاب".

ورجح أن تكون إدارة سجون الاحتلال، وكذلك الرقابة الإسرائيلية قد منعت خروج بعض الصور والمشاهد، التي من شأنها أن تحرض عليها، أو تلك التي تعتبر مخالفة لعقيدتها الأمنية.


"منبر إعلامي"

من جهته، رأى رئيس "نادي الأسير" الفلسطيني، قدورة فارس، بأن الإعلام الإسرائيلي يعتبر أحد المنابر التي يمكن استثمارها، في إيصال الرسائل إلى الجمهور الإسرائيلي.

وشدد فارس، خلال حديث مع "قدس برس"، أن العبرة بالمضمون الذي يتم الحديث عنه وليس الوسيلة، وتابع "الأصل أن تكون الرسالة التي يسعى الأسير الفلسطيني لإيصالها، لا تتناقض مع الهدف الذي اعتقل لأجله، ويجب أن تتوافق مع الموقف الوطني".

وأضاف "إذا توفرت فرصة عن طريق الإعلام الإسرائيلي، فلا ضير أن يسمع جمهوره بأن للفلسطينيين دولة محتلة من الاحتلال، وأنهم يقاتلوا من أجل قضية عادلة".

ولم يستعبد رئيس نادي الأسير أن يقوم أحد القائمين على وسائل الإعلام الإسرائيلية، بالتلاعب أو الاجتزاء من التصريحات التي تخرج من خلالها، خاصة أن هناك وسائل إعلام في دولة الاحتلال تخدم الرواية الرسمية وتعمل على الترويج لها".

ورأى الحقوقي الفلسطيني، أنه إذا كان هناك توجه لمقاطعة الإعلام الإسرائيلي، فيجب أن يكون ذلك ضمن خطة وطنية شاملة، وعلى مختلف المستويات.


انعكاس للرواية الإسرائيلية 

أما الإعلامي الفلسطيني، أمين أبو وردة، فاعتبر أن تطرق الإعلام الإسرائيلي لموضوع الأسرى، يأتي من بوابة الأمن الإسرائيلي، بحيث ما يخرج من صور ومشاهد يكون بالتناغم مع جهاز المخابرات وإدارة السجون.

وحول تعاطي الإعلام العبري مع الأسرى، قال أبو وردة، خلال حديث مع "قدس برس"، "إن الصورة الدارجة هو أن ما يرشح من الإعلام الإسرائيلي يكون ضمن منهجية تعكس الرواية الإسرائيلية، التي تحرص على إظهار الأسرى بأنهم يعيشون حياة طبيعية داخل السجون، وفي الوقت ذاته يوصلون التحريض واستهداف الأمن الإسرائيلي، وذلك حتى لا يكون هناك تعاطف وتأييد لإبرام صفقات تبادل قادمة".

ولفت إلى أن قراءة التقارير الإسرائيلية عن الأسرى تختلف وفقا لخلفية صاحب الشأن، فهناك من يرى أن هذه التقارير تظهر الأسرى بأنهم متمسكون بحقهم وقضيتهم على الرغم من سنوات السجن الطويلة، وهناك من يرى فيها انعكاس لروح الديمقراطية التي تدعيها دولة الاحتلال.

إلا أن المحاضر الجامعي أبو وردة، أوضح أن هناك بعض الصحفيين الإسرائيليين يحاولون الوصول لمعلومات حول ظروف الأسرى والسجون،  ليحقق لذاته إنجازا شخصيا تُسجل لصالحه في الاستفراد بمعطيات وصور خاصة.

وأشار إلى أن هذا النوع من الصحفيين يحاول نشر ما توصل إليه عن طريق استغلال ثغرة معينة وبعيدا عن الرقابة الإسرائيلية، التي ترفض نشر أي معلومات أو صور دون إعطائها الموافقة على ذلك.

تجدر الإشارة إلى أن وسائل إعلام عبرية تناولت التقرير الإسرائيلي التي تم تصويره داخل سجن "مجدو"، بكثير من التحليل، وعبّرت عائلات قتلى إسرائيليين عن رفضها بث التقرير الذي بحسب اعتقادها يصوّر الأسرى الفلسطينيين "بأنهم بشر، ويتمتعون بامتيازات وفرت لهم حياة أفضل"، وفق تعبيرهم.

وتقدر مصادر حقوقية وجود نحو 7 آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال موزعين على 22 سجنا ومركز تحقيق وتوقيف، محتجزين في ظل ظروف حياتية صعبة.، بينهم 49 أسيرة، منهن 13 فتاة قاصر، بينما يصل عدد الأطفال الأسرى إلى نحو 350 طفل يقبعون في سجني "مجدو" و"عوفر"، فيما بلغ عدد الأسرى الإداريين 700 أسير.


ــــــــــــــ

من محمد منى
تحرير إيهاب العيسى

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.