الشيخ محمد رفعت .. "قيثارة السماء" و أيقونة التجويد .. كيف أصبح رمزا لأجواء رمضان؟

حينما يبدء نهار رمضان بالأفول، ويتبقى منه دقائقه الأخيرة، ويصمت الجميع لكي يسمع فقط أذان المغرب، فإن ذلك يعني صوت الشيخ "محمد رفعت"، الذي  ارتبط صوته بذلك الأذان.
وتحرص أغلب الإذاعات والقضائيات العربية، على استلهام أجواء رمضان الخاصة، عبر استدعاء أذان المغرب تحديدا، بصوت المقرئ الشيخ محمد رفعت.
و يروي الشيخ ابراهيم رفعت حفيد الراحل لـ "قدس برس" قصة نبوغ جده وتحوله لأشهر قراء القرآن الكريم في العام العربي، موضحا أن جده بدأ حياته كقارئ في مسجد "فاضل باشا" بالقاهرة، حيث يحتفل محبوه وعائلته بإحياء ذكراه هناك حتى الآن.
وولد الشيخ عام 1882 في حي المغربلين بالعاصمة المصرية، وفقد بصره في عمر السنتين، ويتردد شعبياً أن عيناً أصابته (أي أنه تعرض للحسد)، بينما كان تشخيص حالته هو إصابته بالرمد الذي كان علاجه في ذلك الوقت عند البسطاء بالوشم، حيث تسبب ذلك في مضاعفات انتهت لفقد بصره وهو في الثانية من عمره.
وكان والده محمود رفعت، عسكريا في الشرطة المصرية، وحرص والده على أن يذهب الطفل محمد إلى الكتاب ليحفظ كتاب الله، ولكن حين كف بصره فكر أبيه أن يلحقه بكُتَاب مسجد فاضل باشا بحي "المغربلين" لدراسة وحفظ القرآن، وهناك أنتبه شيخه لجودة صوته وترتيله للقرآن.
وظل الشيخ محمد رفعت يقرأ ويرتل آيات الذكر الحكيم، في هذا المسجد، وغيره من المساجد حتى تم الإعلان عن افتتاح إذاعة القرآن الكريم، وطالب المسئولين وقتها منه أن يفتتح المحطة الإذاعية بصوته العذب.

كف بصره فظهرت موهبته في حفظ القران
ويروي الحاج إبراهيم رفعت، حفيد شيخ المقرئين محمد رفعت قصة ظهور موهبة جده، قائلا إنه "بدء الطفل ذو العامين، قراءة ودراسة وحفظ القرآن، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل أن يكمل تسعة سنوات، وخلال مراحل حفظه للقرآن، أنتبه شيخه لجودة صوته وترتيله للقرآن، ووصلت درجة الثقة فيه، إلى أن أعطاه بعض الليالي ليحييها بصوته العذب في هذه السن الصغيرة، وانبهر المستمعين بصوته".

أول من افتتح الإذاعة المصرية بالقرآن الكريم
ومن متأثر الشيخ محمد رفعت أنه كان أول من أحيا بصوته في 31 أيار/مايو 1934 افتتاح الاذاعة المصرية، بصوته وهو يقرأ القرآن.
ويروي رفعت الحفيد قصة طريفة واكبت الافتتاح، مشيرا إلى أنه حين طالب المسئولين وقتها بأن يفتتح الشيخ المحطة الإذاعية بصوته، كان خائفًا مترددًا من تسجيل القرآن بالإذاعة، ويرفض خشية أن يسمع القران من الإذاعة أناس يتعاطون الخمر والمسكرات، معتبرا أن ذلك "حرام شرعا".
ولكن مفتي الديار المصرية حينئذ، قال له "عسى الله أن يهدي بك أحدا منهم"، ومن هنا وافق الشيخ رفعت على افتتاح إذاعة القرآن الكريم.

صوته أجمل من التسجيلات
ونقل رفعت الحفيد لـ "قدس برس" عن والدته قولها إن "التسجيلات التي نسمعها الآن للشيخ رفعت لا توضح عذوبة صوته الحقيقي، وتؤكد لهم أن صوته كان أجمل من التسجيلات التي لم تكن متقدمة في ذلك الحين".
ويوضح أنه لا يوجد تسجيل كامل للمصحف على لسان الراحل الشيخ محمد رفعت رغم أنه قرأ المصحف كاملًا أكثر من مرة، والسبب هو الافتقار إلى التقنيات العالية التي لم تكن موجودة وقتئذ وتكاليف التسجيل.

"القهوة يا باشا" في تسجيلات الشيخ
ويروي حفيد الشيخ الراحل واقعة طريفة للتدليل على أن الأسطوانات المستخدمة في التسجيل، كانت بتقنيات بدائية، و بها مشاكل فنية لأن التسجيل حينئئذ كان يلتقط أي كلام جانبي، موضحا: "ذات مرة كان الشيخ يقرأ في حفل لأحد الباشوات (قبل ثورة 1952 التي أنهت الملكية)، وظهر في التسجيل صوت الساعي وهو يقول "القهوة يا باشا ..  ويرد عليه الباشا .. حطها عندك".

يحب سماع "بيتهوفن" و"موتزارت"
وأوضح رفعت الحفيد، إن جده كان محبا للموسيقى الكلاسكية ومنها الغربية، وكان يحب الاستماع إلى بتهوفن، وباخ، ودرامز، وموتزارت، وفاجنر، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته.
ويؤكد أن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وغيرهم من أشهر المطربين العرب وقتها، كانوا يحرصون على زيارة الشيخ رفعت في بيته ليستمعوا إلى صوته الجميل في قراءة القرآن.
وكان للمطرب محمد عبد الوهاب عادة غريبة يفعلها في كل مرة يستمع للشيخ رفعت، فكان يجلس على الكرسي وينتظر الشيخ يبدأ القراءة، وبعد أن يقول الشيخ "بسم الله الرحمن الرحيم"، ينزل عبد الوهاب من على الكرسي ويقعد على الأرض احترامًا للقرآن.
أما كوكب الشرق، أم كلثوم، فكانت تحفظ كثيرًا من آيات الله، وكانت حريصة على زيارة الشيخ رفعت والاستماع له، كي تتعلم أحكام القراءة ومواضع التفخيم والترقيق في الكلام، لتستخدم ذلك في أغانيها، و"ذلك هو سر قوة أم كلثوم، وقدرتها على غناء أي قصيدة مهما كانت كلماتها صعبة"، بحسب الشيخ ابراهيم.
وفي عام 1942، أصيب الشيخ رفعت، بمرض سرطان الحنجرة، فلم يعد قادرًا على قول جملة واحدة كاملة دون أن يتوقف في منتصفها، وكان يبكي على منبر مسجد الشيخ فاضل لأنه غير قادر على قراءة القرآن مثل شبابه.
ورغم أنه كان فقيرا لا يملك تكاليف العلاج، إلا أنه رفض قبول أي مساعدة من ملوك ورؤساء العالم الإسلامي، وحين نشرت مجلة /المصور/ صورته وهو مريض، انهالت عليه التبرعات من محبيه حتي وصلت 50 ألف جنيه، وكان مبلغ ضخم بمعايير هذا الزمان، لكنه رفضها، وقال كلمته المشهورة "إن قارئ القرآن لا يهان".

تراث لم نسمعه للشيخ بعد
وكشف حفيد الشيخ محمد رفعت، أن 35 ساعة كاملة بصوت جده رفعت، لم يسمعها أحد بعد، لأنها تحتاج الي إصلاح فني فيما "رفض مسئولي الاذاعة المصرية القيام بهذه المهمة رغم أن الشيخ رفعت كان أول من افتتح الإذاعة بصوته 31 مايو 1934، ولكن لا تجد هذه الشرائط النادرة من يصلحها ويحييها".
ويتابع رفع الحفيد قائلا "عرضت الأمر من قبل على المسئولين بالإذاعة المصرية للاهتمام بإصلاح هذه الشرائط النادرة وبثها، ولكنهم رفضوا، داعيا وزارة الثقافة المصرية، أو رجال الأعمال وملاك القنوات الخاصة ممن لديهم استديوهات حديثة مجهزة، رعاية إصلاح هذه الاسطوانات التي تحمل كنزا" بحسب تعبيره.

أوسمة الخبر

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.