تونس.. انقسام سياسي حاد حول مصير "العدالة الانتقالية"

يخيم الغموض على مصير مؤسسة "هيئة الحقيقة والكرامة" هذه الأيام، في ظل النقاش الدائر حول تمديد عملها من عدمه، بعد انتهاء فترة عملها الأولى من دون أن تتم المهام التي تأسست من أجلها.

سبب النقاش حول مصير "هيئة الحقيقة والكرامة"، وهي هيئة حكومية تونسية مستقلة تأسست في 6 جزيران (يونيو) 2014، ليس فقط قضايا الانتهاكات الحقوقية التي أثارتها الهيئة ونبش الغبار عن انتهاكات التعذيب في السنوات الأولى للاستقلال، وإنما أيضا حول حقيقة استقلال تونس أصلا عن فرنسا، بعد نشر الهيئة عشية احتفال تونس بالذكرى 62 لاستقلالها عن فرنسا، بياناً توضيحياً ووثائق أرشيفية وتاريخية، تفيد بأن استقلال تونس، لم يكن مكتملاً وشابته شوائب كثيرة، حان الوقت للوقوف عليها والنظر في حقيقتها، ما جعل من القرار السيادي للبلاد التونسية قراراً مصادراً، على حدّ تعبير رئيسة الهيئة سهام بن سدرين.

وقد انتقل النقاش إلى البرلمان، لا حول الوثائق التي نشرتها الهيئة، ولكن حول فترة عمل الهيئة، بعد أن قررت إدارة الهيئة نفسها تمديد عملها لغاية نهاية العام الجاري، معللة ذلك بعدم التعاون الكافي معها من جانب "جزء كبير من مؤسسات الدولة".

وصادق البرلمان التونسي على قانون العدالة الانتقالية في كانون الاول 2013. وأعطى القانون هيئة الحقيقة والكرامة مدة أربع سنوات (تنتهي في شباط / فبراير الماضي) قابلة للتمديد سنة واحدة لتفعيل العدالة الانتقالية التي تمتد من مطلع الاستقلال إلى موفى العام 2013.

وقرر مجلس نواب الشعب (البرلمان) أمس السبت تأجيل الجلسة العامة المخصصة للتصويت على قرار تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة الى غد الاثنين مع تأكيد على وجوب حضور رئيسة الهيئة سهام بن سدرين.

جاء ذلك بعد جلسة صاخبة شهدت تلاسنا بين المنادين بإنهاء عمل الهيئة وبين المتمسكين باستمرارها، مما دفع برئيس البرلمان لرفع الجلسة.

النائب في البرلمان التونسي ياسين العياري، اعتبر أن إحالة ملف تميد عمل الهيئة إلى البرلمان، عمل مخالف للقوانين، وحمل مسؤوليته لرئيس البرلمان.

وقال العياري في تدوينة له على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "الفايسبوك": "الفصل 18 من قانون العدالة الانتقالية يمنح الحق لهيئة الحقيقة والكرامة تمديد أعمالها دون إذن من أحد".

وأضاف: "الهيئة مطالبة برفع تقرير معلل للمجلس، الرفع لا يعني طلب الموافقة (..) رئيس المجلس، محمد الناصر تعسف على التأويل وقرر أن المجلس يمدد أو يرفض!".

واتهم العياري أيضا رئيس مجلس النواب، بالتعسف أيضا بأن قرر أن النصاب اللازم هو 109 (50 + 1)، كما تعسف أيضا وتعدى على القانون ومرر الأمر لجلسة عامة.

وأشار العياري إلى مكتب المجلس حين اجتمع قرر أن التصويت سيكون على الرفض، أي تجميع 109 صوت مع الرفض حتى لا يتم التمديد، ولكن لما انطلقت الجلسة، أصبح الأمر بالعكس أي تجميع 109 مع التمديد حتى يتم التمديد".

وأكد العياري، أن المخالفات القانونية، التي تندرج برأيه في سياق إنهاء عمل الهيئة، لمست أيضا قانون الجلسات، الذي ينص على أن لا تبدأ الجلسات إلا على الأقل بثلث النواب: 73 نائبا، وأن التسجيل الإلكتروني انتهى، ولم يسجل الحضور إلا 58 نائبا على الرغم من أن الحضور كان أكثر من 120 لكن رفضوا التسجيل احتجاجا على المهزلة القانونية".

وأضاف: "بما أنه العدد أقل من 73 فقانونا ترفع الجلسة، لكن لم يرفع رئيس المجلس محمد الناصر الجلسة ولم يمتثل للقانون فهو مكلف بمهمة".

واتهم حزب "نداء تونس" وحزب حركة مشروع تونس و"آفاق"، بوقف العدالة الانتقالية وهم عاجزون على توفير 73 نائبا.

ووفق العياري فإن تأجيل جلسة مجلس النواب إلى الاثنين غير قانوني، لأنه "لا دخل لمجلس النواب في التمديد أصلا".

ورأى العياري، أن النقاش حول مصير الهيئة، سياسي بامتياز، للانقلاب على التجربة من أحزاب "نداء تونس"، "الحرة"، و"آفاق بمباركة رئيس الجمهورية وتوجيهاته.

وقال: "ضرب الحقيقة والكرامة، ضرب المحكمة الدستورية، حكاية تغيير النظام الانتخابي، كلها حلقات في نفس المسار"، على حد تعبيره.

وقد رأى مستشار الرئيس التونسي السابق للشؤون الدولية أنور الغربي في حديث مع "قدس برس"، الرئيس الحالي للبرلمان التونسي محمد الناصر أصبح غير قادر على مواصلة هذه المهمة الحساسة في ظل تصاعد التوتر داخل البرلمان واصرار الجهات الرافضة للتجربة التونسية على اجهاض المسار الديمقراطي وتعطيل مسار العدالة الانتقالية".

وقال الغربي: "حديث عدد من النواب على أن رئيس الجلسة اعتدى على القانون وقام بعمليات تدليس وتحايل وسعى لتوتير الأجواء عوض تطبيق القانون واحترام نواب الشعب تجعله غير مؤهل لمواصلة هذا الدور الذي يستوجب حضورا ذهنيا وتجردا وحزما في تطبيق القانون الداخلي للمجلس"، على حد تعبيره.

في هذه الأثناء، قال المدير التنفيذي لحركة "نداء تونس" حافظ قائد السبسي، في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "الفايسبوك": "العدالة الانتقالية ليست سهام بن سدرين ولن نصوت لبقائها".

من جهته أعلن رئيس كتلة حركة "نداء تونس" سفيان طوبال، عن اعتزام أربع كتل برلمانية هي حركة "نداء تونس" و"الحرة" لحركة "مشروع تونس" و"الكتلة الديمقراطية" و"كتلة آفاق تونس"، تقديم مبادرة تشريعية جديدة تهم مسألة العدالة الإنتقالية، حتى تستكمل مسارها في صورة عدم التمديد في عمل هيئة الحقيقة والكرامة.

وأوضح طوبال، في تصريحات نقلتها إذاعة "شمس أف أم" اليوم، أن "هذه الكتل الأربع متفقة حول ضرورة احترام مسار العدالة الانتقالية والسعي إلى استكماله"، على حد تعبيره.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.