مكابح "صفقة القرن" ودلالات اعتراف كوشنر بفشل ورشة البحرين

لم تمض عدة أيام، حتى اعترفت الإدارة الأمريكية بـ"فشل" ورشة البحرين (الشق الاقتصادي من صفقة القرن)، مؤكدة أن "الفلسطينيين بمقاطعتها هم من أفشلوها".

وقد عزا محللون سياسيون وخبراء في أحاديث لـ "قدس برس"، أن الموقف الفلسطيني الموحد والرافض لهذه الصفقة والمؤتمر، أفشل محاولة تصفية القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى بعض المتغيرات الإقليمية والأولويات السياسية.

ووفق الإعلام الأمريكي، فإن المؤتمر يهدف إلى ضخ استثمارات على شكل منح وقروض في فلسطين والأردن ومصر ولبنان، بقيمة 50 مليار دولار، مقابل إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات مجحفة لـ"إسرائيل"، في ملفات القدس واللاجئين وحدود الـ 1967، مقابل تعويضات واستثمارات.

اعتراف كوشنر "تحصيل حاصل"

ويرأى الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، فراس أبو هلال، أن اعتراف جاريد كوشنر؛ مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بفشل ورشة البحرين "ليس سوى تحصيل حاصل".

وقال أبو هلال لـ "قدس برس"، إن أي متابع للوضع في الشرق الأوسط وللصراع العربي الإسرائيلي، كان يعلم، أنه لا يمكن لمشروع اقتصادي مرتبط بـ "صفقة القرن"، أن ينجح دون مشاركة وموافقة الفلسطينيين.

ويوم 8 تموز/يوليو الجاري، أقرت الولايات المتحدة، وعلى لسان جاريد كوشنر، بفشل "ورشة البحرين" الاقتصادية، التي عقدت بالعاصمة البحرينية المنامة.

وكانت البحرين قد استضافت أعمال الورشة في 24 حزيران/يونيو الماضي، التي نظمتها واشنطن تمهيدًا لـ"صفقة القرن"، ضمن خطتها لتصفية القضية الفلسطينية، بمشاركة عربية محدودة ومقاطعة فلسطينية تامة.

مهرجان علاقات عامة

ووصف الباحث أبو هلال مؤتمر البحر بأنه "كان مجرد مهرجان من العلاقات العامة لكوشنر وصفقته، والتي منيت بالفشل الكبير بسبب غياب الفلسطينيين".

وأردف: "المشاركة الضعيفة من الأردن ومصر ساهمتا أيضًا بفشل المؤتمر، وبالتالي، فإننا لم نكن بحاجة لاعتراف كوشنر لندرك فشل ورشته وخطته".

وأشار: "مشكلة كوشنر ومستشاري ترمب للشرق الأوسط، أنهم لا يدركون أن الصراع سياسي، بين شعب محتل وجيش احتلال، وأنه لا يمكن أن يحل بالمال والصفقات، ولعلهم باتوا يدركون الآن هذه الحقيقة بعد فشل ورشة البحرين".

قيادة خاضعة

ولفت "أبو هلال" النظر إلى أن كوشنر والإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال يسعون للتعامل مع قيادة فلسطينية تخضع لإملاءاتهم وتُمرر خطتهم الاقتصادية".

وأوضح: "أن الرئيس محمود عباس قدم أكثر ما يمكن من تنازلات في المفاوضات، ونال بسبب ذلك نقدًا شعبيًا وفصائليًا واتهامات كبيرة بسبب سياساته المؤسفة والمدانة والخاطئة".

واستدرك: "ولكنه مع ذلك لم يعد شريكًا مناسبًا للاحتلال وللولايات المتحدة، لأنهم يريدون قيادة، تتنازل تمامًا عن كل الحقوق الفلسطينية في الأرض والعودة والسيادة والحدود والأمن".

ويعتقد أبو هلال، أن الفترة القادمة ستشهد ضغوطًا أكبر على الفلسطينيين، سواء في الضفة أو غزة، من خلال الدول العربية التي ترغب بإرضاء الولايات المتحدة.

ورجح الباحث المختص في الشرق الأوسط: "سيستمر الضغط الاقتصادي على أمل أن يجدي نفعًا في إجبار الفلسطينيين على التنازل عن حقوقهم".

مؤتمر سياسي ووعود زائفة

ونوه إلى أن الإدارة الأمريكية "قد تلجأ لحلحلة الأوضاع ودعوة الفلسطينيين والعرب لمؤتمر سياسي مع وعود زائفة بمفاوضات جادة، كما فعلت سابقاتها".

واستبعد أن تغير الدول التي قاطعت المؤتمر من مواقفها، مؤكدً أنه "لا يمكن للولايات المتحدة ممارسة ضغوط أكبر مما مارسته سابقًا، لذلك سيبقى الوضع على ما هو عليه، إلا إذا دعت واشنطن لمؤتمر يرضى الفلسطينيين بالمشاركة فيه".

فشل ورشة البحرين لم يُستثمر فلسطينيًا

وأعرب أبو هلال عن أسفه لعدم استثمار الاعتراف الأمريكي بفشل ورشة البحرين، بسبب الوضع الفلسطيني القائم.

وأشار إلى أن "هذا الوضع لن يتغير كثيرًا إلا بتغيير القيادة الفلسطينية قناعاتها المتعلقة، بالعلاقة مع حماس وغيرها من الفصائل".

واستطرد: "يمكن استثمار وحدة الموقف الفلسطيني تجاه ورشة البحرين فقط، في حال آمنت القيادة الفلسطينية بضرورة إصلاح منظمة التحرير وإعادة دورها كبيت لجميع الفلسطينيين".

ولفت النظر إلى أن "تغيير عقيدة السلطة السياسية، مهم، لتتركز على حوار وطني شامل يصل أولًا لاستراتيجية وطنية لمقاومة الاحتلال، قبل الدخول بتفاصيل جزئية عن الموظفين وشكل الحكومة والانتخابات".

مآلات "صفقة القرن" قد فشلت

من جهته، اعتبر الكاتب والباحث السياسي أحمد الحيلة، أنه من المبكر القول إن "صفقة القرن قد فشلت، لأنها ما تزال في الأدراج".

وأفاد الحيلة في حديث لـ "قدس برس": "لكن يمكن القول إن الخطوة الأولى والتي جاءت في سياق ورشة البحرين قد فشلت إلى حد كبير، بسبب الرفض الفلسطيني الوطني الشامل، ومع ذلك فإن مآلات صفقة القرن مصيرها الفشل".

وبيّن أن "عدة كوابح ستحول دون تمرير صفقة القرن؛ ومنها وحدة الموقف الفلسطيني الرافض لها، بالإضافة إلى البيئة العربية القلقة من استحقاقات ورشة البحرين، رغم تساوق البعض معها كالسعودية والإمارات والبحرين".

وقال بأن "الأردن قلق من استحقاقات صفقة القرن بما يخص مدينة القدس، كما أن مصر أيضًا قلقة من استحقاقات الصفقة بما يتعلق بسيناء، وهل هذا الأمر مقبول مصريًا أم لا؟".

وقال إن المسألة الثالثة التي قد تمنع نجاح صفقة القرن خلال العامين أو الثلاث القادمة، هي أن الاحتلال الإسرائيلي ذاهب إلى انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة تبدأ في أيلول القادم.

وتابع: "من الصعب التكهن بماهية هذه الحكومة، هل ستكون يمين متطرف أم يمين وسط؟ وماهي أجندتها؟".

قضايا مُتقدمة "أمريكيًا" على الصفقة

وذكر: "مع انتهاء الانتخابات الإسرائيلية مع نهاية 2019 ستدخل الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر هذا العام السباق الانتخابي، والذي سيمتد لنهاية 2020، وبالتالي هناك انشغال صهيوني وأمريكي بهذه الانتخابات وحساباتها المعقدة".

وأشار الحيلة إلى انشغال المنطقة في الملف الإيراني والتصعيد، "فدول كانت تتعاطى بإيجابية مع صفقة القرن كالسعودية والامارات، إلا أنهما تتعرضان للتصعيد الذي نراه بين إيران والولايات المتحدة".

وأوضح المحلل السياسي، أن حضور الملف اليمني وانشغال السعودية والإمارات بتداعياته، كل ذلك لن يضع صفقة القرن في أولويات أجندة هذه الدول.

وأكد الحيلة أن من عوامل فشل صفقة القرن أن الولايات المتحدة لا تعتبر القضية الفلسطينية أولوية بالنسبة لها في الوقت الحالي، وإنما أولويتها هي الصين وروسيا والملف الإيراني، بالإضافة إلى ملفات تجارية والعلاقة مع الاتحاد الأوربي والحرب التجارية في العالم.

وأفاد بأن "واشنطن تُقدم سياسة الولايات المتحدة مع دول الجوار كالمكسيك والقضية الاقتصادية الداخلية وغيرها من القضايا على القضية الفلسطينية".

واستدرك أن ذلك "لا يعني أن صفقة القرن قد طويت؛ خاصة أن الكيان الصهيوني أحد أولويات واشنطن، ولكن لن تكون صفقة القرن بموازاة كل هذه الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة".

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.