"صندوق العائلة".. موروث اجتماعي تناقله فلسطينيو سورية

منذ لجوء الفلسطينيين إلى سورية عمل كبار العائلات الفلسطينية على ترسيخ مفهوم التكافل بين الناس في ظل الظروف الصعبة التي مر بها اللاجئون بعد فقدان أكثر الأسر لأملاكهم وأموالهم.

وقد بدأت كل عائلة أو أهل البلد بتشكيل ما يشبه "الرابطة الاجتماعية"، حيث يجتمع أفراد العائلة أو البلد مرة كل شهر لـ "شد أواصر العلاقة بين الناس في المقام الأول".

ومع مرور الوقت بدأت بعض العائلات بتأسيس صندوق باسمها أو باسم البلد الذي تنتمي إليه وكان لهذه الصناديق الأثر الطيب في حياة الناس في المناسبات والأعياد.

بداية الفكرة

ويقول الحاج عامر منصور؛ من مخيم النيرب بحلب والمقيم في غازي عينتاب التركية: "كان أفراد العائلة الواحدة يجتمعون في منزل كبير العائلة مرة كل شهر وفي الأعياد أو يكون هذا الاجتماع دوريًا بحسب الاتفاق".

وأوضح منصور لـ "قدس برس"، أن الاجتماع كان بهدف الحفاظ على الرابط الاجتماعي فيما بين الناس، خاصة وأن كثيرًا من هذه العائلات فقد كل ما يملك وجاءت فكرة إنشاء صندوق العائلة بهدف دعم الأسر المعسرة.

وأضاف: "كان هناك عدة صناديق للعائلات الفلسطينية في المخيمات، وكان الصندوق عادة يحمل اسم عائلة معينة أو اسم البلد الذي تنتمي إليه مجموعة عائلات".

وأشار إلى أن الاشتراك كان في الغالب بمبالغ رمزية عن كل فرد بالغ في الأسرة "بدأت على ما أذكر بملغ 25 ليرة سورية قبل 20 أو 25 سنة تقريبًا".

وبيّن: "كان الهدف الأول من إنشاء الصندوق هو تغطية نفقات الوفاة أو الزواج أو إجراء العمليات الجراحية لأي شخص من العائلة لا يستطيع تحمل هذه التكاليف لوحده".

وأردف: "بعد فترة بدأ الميسورون من العائلة أو أهل البلد بالتبرع للصندوق فأصبح تأمين المواد الغذائية والتموينية الأساسية كالسكر والرز والجبن على عاتق الصندوق".

الصندوق في الأعياد

وعن دور الصندوق في الأعياد أوضح منصور، أن بعض العائلات كانت تشتري الضيافة وتجتمع في بيت واحد وغالبًا يكون عند كبير العائلة. "كذلك كانت ملابس العيد للفقراء من نفس العائلة أو البلد تغطى من الصندوق حتى لا يحرم أحد من الأطفال من بهجة العيد".

وكانت نساء العائلات يجتمعن في أحد البيوت ويصنعن كعك العيد الذي تملأ رائحته شوارع المخيم، بينما كان الرجال يجتمعون يوم الوقفة ويعقد مجلس صندوق العائلة وتقر خلال اللقاء بعض الأمور التي يتوجب القيام فيها بهذه المناسبة.

وتابع: "كان لهذا الصندوق مدير مالي ورئيس. وكانت اللقاءات تعقد كل مرة في منزل أحد أفراد العائلة".

العيد

ويستذكر اللحظات "الحميمية" أول أيام العيد كزيارة المقابر. ويضيف: "كان من عادة الكبار أن يقوموا بزيارة كل من فجع بفقد أحد من عائلته أو أجرى عملية جراحية لجبر خاطره ومواساته ثم يتفرق الناس إلى بيوتهم".

واستطرد: "ومن ثم يبدأ الأبناء بزيارة آبائهم، وكانت هذه من أجمل اللحظات وخاصة لدى الأطفال حيث تنهال عليهم العيديات من الأقارب".

"وبعد صلاة العصر كان الناس يجتمعون ويتبادلون الأحاديث، حيث يتجمع الناس في فئات بحسب العمر أو الاهتمامات فترى العجائز في زاوية يقصون ذكرياتهم في بساتين فلسطين وعن بطولاتهم ضد الإنكليز والشبان يخططون لرحلة قرب بحيرة قريبة والطلاب يتداولون أخبار الدراسة والامتحانات، بينما كان القائمون على الصندوق يتشاورون في كيفية صرف المبالغ بحسب الأولويات"، وفق تصريحات الحاج منصور.

الشتات أنهى دور الصندوق

من جهته أوضح الحاج عبد المجيد ميعاري؛ من مخيم حندرات والمقيم في الريحانية، أن كثيرًا من هذه الصناديق انتهى دورها بعد تشتت الأسر ورحيل عدد كبير من أبنائها إلى أوروبا بعد الأحداث في سورية "إلا أن بعض العائلات لاتزال صناديقها عامرة حتى الآن".

وأشار ميعاري في حديث لـ "قدس برس"، إلى أن فكرة إعادة إحياء الصندوق واللقاءات الشهرية في الغربة لا زالت واردة.

وأضاف: "يمكن للتجمعات الفلسطينية في أي مكان في الغربة تحقيق ذلك، ولكن من الصعوبة أن يرتبط هذا الصندوق بعائلة واحدة أو أهل بلد واحد، بسبب التنوع والانتشار في عدة دول فترى عائلة في تركيا وأبناؤها في ألمانيا والسويد".

وأكد أنه "من الضروري العودة للأصالة التي تربينا عليها في المخيم والتي أساسها التكافل والتعاطف بين الناس خاصة أن كثيرًا من العائلات حرمت من أجمل لحظات العيد عندما تجتمع الأسر في بيت واحد".

ونوه: "قمنا بإنشاء صندوق لمساندة الفلسطينيين القادمين من سورية، لأنهم يدفعون مبالغ طائلة حتى يصلوا إلى تركيا، نقوم بزيارتهم والترحيب بهم وتقديم مساعدات مادية لهم".

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.