لبنان.. كهرباء "برج البراجنة" تسلب أرواح اللاجئين وسط إهمال لا مُنتهي

يُعاني أهالي مخيّم برج البراجنة، كبقية اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، من ظروف صعبة ومشاكل عدة، تبدأ من الفقر الشديد والازدحام السكاني الرهيب، إلى طرقات ضيقة ونظام صرف صحي قديم، والمشاكل التي لا تعد ولا تحصى.

وعلى رأس هذه المعاناة يأتي سوء تنظيم شبكتي الكهرباء والماء؛ فتشابك أسلاك الكهرباء مع مواسير المياه صورة تتكرر رؤيتها في كافة أنحاء المخّيم، ومع استمرار تجاهل المعنيين بحل هذه القضية، وسط غياب تام لوكالة الأونروا، وعدم تقديم أية مساعدات عاجلة لهم، وفق قول بعض سكان المخيم.

باتت الكهرباء تسرق الصغير والكبير منهم، وقد ارتفع عدد الضحايا خلال السنتين الماضيتين إلى 86 جراء الصعق الكهربائي من الشبكة العنكبوتية العشوائية والملاصقة لشبكة أنابيب الميا، بحسب رصد مؤسسة شاهد لحقوق الأنسان.

وكان آخر ضحايا هذه المشكلة، الطفل الفلسطيني محمد نبيل أسعد عكاشة (16 عامًا) والذي توفي بتاريخ 14 كانون ثاني/ يناير الماضي، إثر صعقة كهربائية عند مدخل منزلهم.

وقالت والدة محمد؛ فاطمة الخالدي، إن نجلها "استشهد" وبات ضحية بسبب الإهمال من قبل المعنيين والقيادات بشبكة الكهرباء.

وأوضحت في حديث لـ "قدس برس"، أن نجلها "تكهرب" بسبب وجود كيبل كهرباء مرتفع عن الأرض متر فقط.

واعتبر والد الطفل محمد؛ نبيل عكاشة، أن وفاة نجله "كانت خسارة كبيرة للعائلة".

وأردف: "دم محمد بكل إنسان بالمخيم مسؤول عن الكهرباء ولم يعمل أي شيئ". مؤكدًا أن معاناة برج البراجنة تزداد يوميًا بشكل أكثر من قبل.

من يتحمل المسؤولية؟!

يقول "أبو أشرف" محمود؛ مسؤول الخدمات في اللجنة الشعبية في "تحالف القوى الفلسطينية": "المشكلة بتشكل هذه الشبكة العشوائية الكثيفة هي الاكتظاظ السكاني الكبير في المخيم، خصوصًا بعد تدفق أعداد كبيرة من النازحين الفلسطينيين من سورية إلى المخيم".

ورأى في حديث لـ "قدس برس"، أن المسؤولية عن عدم وجود حل لهذه الشبكة "العنكبوتية القاتلة" بين أزقة المخيم وعلى جدرانه تقع على عاتق عدة جهات أولها وكالة الأونروا، وثانياً منظمة التحرير، وتحالف القوى الفلسطينية.

وحمّل محمود المسؤولية أيضًا لـ "أهلي المخيم الذين لا يلتزمون بالمعايير النظامية في التمديدات الكهربائية وغيرها".

وتتفق الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين في مخيم برج البراجنة مع "أبو أشرف"، "أن مسؤولية البنى التحتية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومنها الكهرباء تقع بشكل رئيسي على عاتق وكالة الأونروا".

ودعت الهيئة 302 الحقوقية، وكالة الأونروا إلى "أن تبادر وعلى جناح السرعة لعقد لقاء طارئ تشارك فيه لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وقوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني، واللجان الشعبية والأهلية، والمؤسسات والجمعيات الأهلية، وروابط القوى ومستقلين لوضع خطة عملية تأخذ بعين الاعتبار تنظيم استخدام شبكة الكهرباء والماء في المخيم وذلك حفاظاً على سلامة وأمن السكان".

تصدّر مخيم برج البراجنة أعلى نسبة موت بالصعقات الكهربائية في العالم

وأفاد مدير اتحاد لجان حق العودة الفلسطينية في مخيم برج البراجنة، أحمد سخنيني: "الضائقة الاقتصادية والمعيشية اشتدت على أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان".

وأردف: "يحدث ذلك في ظل تقصير الأونروا بالاستجابة لمطالب اللاجئين بتوفير خطة طوارئ إغاثية عاجلة وشاملة وعجزها عن القيام بالخدمات المطلوبة لجهة تحسين واقع المخيم وخدماتها فيه".

وتابع: "نطالب الأونروا وشؤون اللاجئين في منظمة التحرير واللجان الشعبية والدولة اللبنانية بالوقوف أمام مسؤولياتهم تجاه أبناء شعبنا بالمخيم، والعمل فوراً على وضع خطة معالجة شاملة لأوضاعه".

ودعا إلى "الضغط على الدول المانحة لتوفير الأموال المطلوبة لإعادة تأهيل الشبكات العنكبوتية القاتلة، إضافة للبيوت المتصدعة والآيلة للسقوط، ومعالجة مشكلات البنى التحتية المهترئة".

وشدد في حديث لـ "قدس برس" على أهمية "الإفراج عن الحقوق الإنسانية والاجتماعية لتعزيز صمود اللاجئين لتحقيق حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم تطبيقا للقرار الدولي رقم 194 نقيضاً لكل مشاريع التوطين والتهجير".

مبادرات من المجتمع

وأشار الناشط والإعلامي الفلسطيني، أحمد الحاج إلى أن "المبادرات الخاصة بالكهرباء تنقسم لعدة أقسام؛ أولها رفع أسلاك الكهرباء، لتخفيف الأذى ما أمكن، خصوصاً أن العشرات قُتلوا نتيجة الإهمال بهذا الموضوع".

ولفت النظر إلى أهمية "العمل على إضاءة بعض الطرقات المعتمة، التي تعيق الحركة خلال الليل، والضغط على الجهات المعنية لتنظيم خطوط وعلب الكهرباء، وتوزيعها، بشكل لا تتجمع في مكان واحد".

وأضاف في تصريحات لـ "قدس برس" أنه "في أيلول 2019 تشكلت لجنة الصيانة في حي جورة التراشحة وهي لجنة فيها وجود فصائلي، وأهالي من حي الجورة الذي يمثّل ربع المخيم مساحة، إضافة إلى مستقلين مشهود بنزاهتهم، وعملهم التطوعي خلال سنوات طويل".

واستطرد: "عندما جرى تشكيل اللجنة وضعت على رأس أولوياتها تنظيم الكهرباء، وبدأت برفع الأسلاك في المناطق التي تشكل فيها خطراً على سلامة الناس، إضافة بالطبع لمشاريع أخرى قامت بها اللجنة".

الموت في كل مكان داخل المخيم

الروايات التي باتت في كل شارع من شوارع مخيم برج البراجنة لضحايا الكهرباء (وفقًا لتسمية أهالي المخيم)، بعثت في أزقته وأرجائه رائحة الموت".

هنا مات سامر، وهنا صُعقت فاطمة، وبين الأزقة مات عدنان ريحان (11 عامًا) كما الطفل محمد عكاشة الذي سجل كآخر الضحايا لكنه لن يكون الأخير.

فالكهرباء ما زالت كابوساً تلاحق اللاجئين يومياً، بين الأزقة وعلى الجدران وفوق رؤوسهم في الشوارع وعلى الشرفات وفوق منازلهم، وما زالت تحصد أبناء المخيم بشكل دائم ودوري من دون أي تحرك جدي من الجهات المسؤولة سواء الفلسطينية أو اللبنانية.

فإلى متى ستبقى حقوق اللاجئين في المخيمات مهمشة أمام الخسارات المتكررة بالأرواح، فكم من جرس إنذار سيحصد أرواح السكان قبل أن تتحرك أي من الجهات المعنية؟!

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.