لهذه الأسباب.. كارثة إنسانية تهدد "فلسطينيي سوريا" في تركيا

"أم غسان الباش" فلسطينية ستينية قادمة من مخيم السبينة بدمشق حطت رحالها في محيط مدينة غازي عينتاب التركية، حيث تعيش مع ولديها في منزل متواضع.

أمواج الحرب التي قذفت بها وبأولادها نحو الشمال هي نفسها التي ابتلعت زوجها فلم يتمكن من النجاة.

تقول أم غسان: "لا أعرف شيئا عن زوجي إن كان معتقلا أو ميتا، انقطعت أخباره عنّا فجأة، وكان من المفروض أن يلحق بنا".

وتضيف: "دخلنا إلى تركيا بطريقة غير شرعية من منطقة شمارين على الحدود، كنا نمني النفس بأن سفارة فلسطين ستهتم بنا وتساعدنا، لكن هذا لم يحدث".

وتسرد "أم غسان" حياتها مع ولديها قبل جائحة كورونا: كان ابني الأكبر في ورشة للخياطة بينما يجول أخوه كبائع متجول على المحال التجارية، وكانت أمورنا مستورة، لكن بعد فرض الحجر فقد ولداي عملهما كبقية الشباب وأوضاعنا من سيء إلى أسوأ".

وتمنت " أم غسان" على السلطة الفلسطينية أن تسعى لدى الدولة التركية من أجل إنشاء مجمعات خاصة بالفلسطينيين ويتم رعايتها وتوفير خدمات العلاج والمدارس فيها.

وأوضحت أن "القنصل الفلسطيني متفهم لمطالب الناس إلا أن الأنظمة والقوانين في تركيا هي من تحد من قدرته على اتخاذ القرارات المناسبة".

وتخشى "أم غسان" من أن تطول فترة الحجر في ظل انعدام البدائل والحلول أمامها.

وأوضح الناشط الفلسطيني أبو جهاد فياض في حديثه لـ "قدس برس" أن فلسطينيي سوريا الذين قدموا إلى تركيا تركوا مخيماتهم بعد تدميرها خاصة مخيم اليرموك ووصلوا إلى الأراضي التركية مدمرين لا يملكون ما يثبت شخصيتهم بعد أن دفعوا مبالغ طائلة للمهربين.

وأشار فياض، إلى أن أغلب هذه الأموال هي ديون حصلوا عليها من أقاربهم ومعارفهم.

وأردف: "توجهوا بعدها إلى سفارتهم بشكل فردي وقدموا للحصول على جواز السلطة والذي ان يكلف 50 يورو الأمر الذي حرم عائلات بأكملها من الحصول على هذا الجواز وفي أحسن الأحوال كان الأب يستصدر جواز لنفسه فقط دون أن يتمكن من استصداره لزوجته وأولاده بسبب تكلفته".

وهناك أمر آخر وهو باعتبارك فلسطينيا قادما من سوريا فبإمكانك الحصول على كملك سوري ومكتوب عليه الجنسية سوري وهذا رفضته بعض العائلات بينما قبلت به عائلات أخرى مضطرة حتى تتمكن من الحصول على العلاج المجاني وتسجيل أولادهم بالمدارس بموجب هذه الوثيقة.

وعن الأوضاع في الفترة التي سبقت جائحة بيّن "فياض" أن أغلب أرباب العائلات كانت تعمل في عدة مهن ومجالات ومن خلال هذا العمل كان الرجل يعيل أسرته.

إلا أن أزمة الكورونا قلبت الظروف رأسا على عقب على معظم العائلات الفلسطينية وتسبب الحجر المنزلي بخسارة هذه العائلات لمصدر رزقها الوحيد مما تسبب بتدهور وضعها المادي بشكل كبير.. ومع الأيام تراكمت الديون على هذه العائلات من فواتير وإيجارات المنازل.

وأضاف: "وجه الناس نداءات استغاثة لسفارة دولة فلسطين بالتدخل مرارا وتكرارا لكن للأسف لم يتم التجاوب حتى الآن مع نداءات الناس التي طالبت أيضا بتسوية أوضاعها القانونية على الأراضي التركية".

وأوضح أن هناك من الفلسطينيين القادمين من سوريا وصلوا للأراضي التركية وهم لا يحملون أي وثائق تثبت شخصيتهم ومنهم من يحمل جواز السلطة الفلسطينية ولكن بدون ختم دخول وهو يعتبر تواجده على الأراضي التركية مخالفا بموجب القانون التركي وهو معرض للمساءلة والسجن.. ومن أجل ذلك يطالب الناس اليوم دولتها أن تتحرك وتقف مع أبنائها وترفع طلباتهم للحكومة التركية لتسوية أوضاعهم، وحتى الآن لم يتم الرد.

واستطرد: "الأوضاع الإنسانية اليوم بالنسبة لفلسطينيي سوريا في تركيا غاية في الصعوبة".

ونوه إلى وجود أرامل بدون معيل ولا يلتفت أحد إليهم باستثناء بعض الجمعيات الموجودة على الأراضي التركية التي تقدم مساعدات بسيطة.

واستدرك: "أيضا لدينا أناس من ذوي الإعاقة الدائمة من مبتوري الأيدي والأرجل من جراء الحرب في سوريا بالإضافة لوجود مسنين لا يقدم لهم شيء والمبادرات المقدمة في هذا الإطار هي مبادرات فردية وجمعيات صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع".

الناشط الفلسطيني محمد عمر، أوضح في حديثه لـ "قدس برس" أن أكبر مشكلة تعترض فلسطينيي سوريا في تركيا هي الصيغة القانونية لتواجدهم فيها ويحار الناس هنا في كيفية التعامل مع الفلسطيني السوري هل هو فلسطيني أم سوري؟.

والحقيقة أن الفلسطيني السوري يعامل معاملة السوري وفي حال أبرز أي مستند يثبت أنه فلسطيني فإنه إما أن يُتهم بالتزوير أو يدخل في حالة عدم فهم الوضعية القانونية بالنسبة للأتراك؛ وفق قول الناشط عمر.

وأضاف: "حتى الآن موظفي الحكومة الأتراك لم يستوعبوا فكرة الفلسطيني السوري بأنه فلسطيني هُجر آباؤه وأجداده من فلسطين وعاشوا حياتهم في سوريا لكنهم حافظوا على فلسطينيتهم تحت مسمى لاجئ".

ونوه إلى أن الفلسطينيين دخلوا تركيا إبان فترة التهجير أواسط عام 2018 وسلكوا طرقا غير نظامية تزامنت مع تشديد السلطات التركية من إجراءاتها على الحدود.

وذكر: "كذلك باتت قوانين تركيا أكثر صرامة في منح الأوراق الثبوتية للاجئين فعانى هؤلاء في سبيل استخراج ورقة الحماية المعروفة بالكميلك وخاصة في مدينة إسطنبول التي لجأ إليها العدد الأكبر من الفلسطينيين".

وتابع: "حتى جواز السفر الفلسطيني لا يستفاد منه باستصدار تصاريح العمل أو استئجار المنزل أو في معاملات فواتير الكهرباء والغاز والماء فعانى الناس مرة أخرى ولم تستفد من جواز السلطة سوى الإثبات بأن حامله فلسطيني".

وأشار إلى أن عدم وجود أوراق ثبوتية لدى أغلب اللاجئين الفلسطينيين فإن ذلك يضيق من هامش المناورة وإيجاد بدائل خاصة في ظل أزمة الكورونا.

واستطرد: "نحن الآن ندخل الشهر الثالث في هذه الأزمة ولا أفق لأي حل مع تكهنات بأن الأزمة ستطول في تركيا".

مشيرًا إلى أن الناس قد لا تصمد أكثر من ذلك وطالب السلطة الفلسطينية والفصائل والأونروا التدخل لإنقاذ الناس ولو بالحد الأدنى الذي يتيح للناس البقاء في بيوتها بعد تراكم إيجارات المنازل عليها.

ويقيم في تركيا قرابة الـ 10 آلاف لاجئ فلسطيني سوري تتفاقم معاناتهم يوما بعد يوم في ظل استمرار الحجر وإغلاق المصانع وورشات العمل.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.