حكايات العيد الفلسطينية في سورية بين الماضي والحاضر

منذ صباح أمس وأم محمود زيدان من مخيم حماه منهمكة هي وبناتها في صنع الكعك الفلسطيني عشية عيد الفطر.

وسط صالون البيت تصف أم محمود الصواني والسدور وتوزع المهام على صغيراتها، وبينما تجهز عجينة الكعك والتمر تقوم بناتها بقولبة العجين في قوالب خاصة وتمد قسما آخر من العجين في الصواني.

تقول "أم محمود": "رغم غلاء الأسعار إلا أننا حرصنا على إعداد الكعك الفلسطيني للعيد، فالعيد بدونه لن يكون له طعم".

الكعك بالتمر ذو الشكل الدائري التقليدي والمقروطة وهي عبارة عن عجينة تمر تمد على عجينة الكعك وتُلف ثم تقطع ويرش عليها السمسم والسكر الناعم بالإضافة للمعمول المحشو بالفستق الحلبي وأخيرا أساور الكعك هي الأصناف التي تُعدها أم محمود كل عيد.

وتضيف: "رغم أن أوضاعنا المادية أفضل من غيرنا إلا أننا قللنا كمية اللحم التي نشتريها عادة في العيد نظرا لغلاء سعر اللحوم هذا العام حيث تجاوز الـ 12 ألف ليرة وهذا يعني أنك بحاجة إلى 48 ألف ليرة لشراء 4 كيلو وتساءلت هذا حالنا فكيف سيكون حال العائلات الفقيرة؟".

الحاج خالد بلعاوي (أبو وليد) من مخيم السبينة بدمشق يجيب على هذا السؤال فيقول لـ "قدس برس": "للأسف لن أشتري اللحم هذا العيد لأولادي فنحن 9 أفراد في البيت ولا يكفينا كيلو أو اثنين".

واستدرك: "زوجتي من غزة وأهل غزة يعز عليهم الفسيخ؛ وهو سمك يحفظ بالملح فترة طويلة، لذلك سنستعيض عن اللحم بالفسيخ والليمون أول أيام العيد".

أما عن ملابس العيد أوضح أبو وليد أن الأوضاع المالية صعبة للغاية وبين العيد الماضي وهذا العيد تضاعفت الأسعار بشكل كبير.

وقال في العيد الماضي اشتريت لابنتي الكبرى "مالطو" بـ 15 ألف ليرة وهذا العيد ثمنه 80 ألف ولك أن تقيس ذلك على باقي الأولاد واضطررت للاستدانة حتى أشتري ملابس العيد لهم.

وعن كعك العيد قال أبو وليد هذا العيد صنعت زوجتي كمية محدودة من كل نوع فالكعك الفلسطيني له خصوصية في العيد ولا أريد أن تمر أعياد العيد بدونه حتى ولو بالحد الأدنى كما لا أريد أن ينقص أولادي شيء من بهجة العيد.

في تجمع المزيريب في محافظة درعا جنوب سوريا يسرد اللاجئ الفلسطيني مشهدا أكثر قتامة لأوضاع الفلسطينيين في تلك المنطقة حيث يعمل معظمهم باليومية. موضحا أن أجرة اليوم الواحد أقل من دولار وهو مبلغ لا يكفي أسرة لديها أربع أو خمس أولاد.

وأضاف موسى أن أزمة كورونا تسببت في حرمان الكثيرين من مدخولهم اليومي البسيط وبالتالي لم تتمكن معظم العائلات من شراء ملابس العيد لأطفالها وهناك من اشترى بالدين بانتظار مساعدة الأونروا التي ستوزع بعد العيد.

وأوضح أن التقاليد الفلسطينية في طريقها للاندثار في ظل الظروف المادية والصحية الحالية. مشيرا إلى أن عائلة واحدة من أصل سبع عائلات صنعت الكعك لهذا العيد.

ويرجع بالزمن إلى الوراء، مبينًا لـ "قدس برس": "كانت أحوال الناس ميسورة وكان في المزيريب سوق يعرف بسوق السبت حيث يفيض بالخيرات وبما يشتهي الناس كما كان الفلسطينيون يقصدون أسواق درعا كسوق الرحمة والحامد والسوق الشعبي بالإضافة لسوق الحميدية بدمشق وسوق سارع لوبية في مخيم اليرموك".

وأضاف: "كانت هذه الأسواق تتحول إلى مهرجانات حتى ساعة متأخرة من الليل، أما اليوم فلا أسواق سوى بضعة محلات لا تكفي حاجة الناس".

ونوه إلى أن الفلسطينيين في تجمع المزيريب ومخيم درعا عانوا كثيرا منذ بداية الأزمة وهُجر حوالي 90% منهم أما من بقي فهم يعيشون بدون أي حقوق أو ضمان أو خدمات ومهمشون حتى من ممثلي الشعب الفلسطيني وكأنه لا يوجد تجمع اسمه تجمع المزيريب للاجئين الفلسطينيين.

وذكر أن عائلات فلسطينية بدأت تفكر بإخراج أبنائها من المدارس وتوجيههم للانخراط في العمل بسبب الضائقة المادية وغموض مستقبل اللاجئ الفلسطيني من الناحية القانونية والوظائف.

ووجه موسى رسالة عبر "قدس برس" لمنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية متسائلا: "هل من المعقول أن 40 ألف فلسطيني في الجنوب السوري لا يوجد من يلتفت إليهم حتى الأونروا لا تقدم خدماتها في المنطقة". مطالبا إياهم بالعمل على تخفيف معاناة الفلسطينيين جنوب سوريا.

من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال وتحديدا في مخيم دير بلوط في منطقة جنديرس تبث أم بشار تنهيداتها على زمان مضى في مخيم اليرموك الذي هُجرت منه وتسرح في ذاكرتها في أعياد تلك الفترة التي سبقت الحرب.

تقول "أم بشار" لـ "قدس برس": "كنت أقصد سوق شارع صفد في المخيم.. كانت البهجة في كل مكان والمراجيح منتشرة في الطرقات.. وكانت النسوة يتناوبن كل يوم عند واحدة منا نتساعد في إعداد الكعك ونحن نغني وننشد".

تشق آهات أم بشار كل تلك الذكريات وتقول كنت أُعد كل أصناف الكعك أما اليوم فلا كعك ولا مراجيح ولا عيد في مخيم دير بلوط.

وعبرت عن حزنها على الأطفال الذين لم يتمكن آباؤهم من شراء ملابس العيد لهم وحتى كعك العيد أصبح من الماضي لدى أغلب العائلات مشيرة إلى أنها صنعت كمية محدودة لعائلتها وقالت كانت فرحة العيد تكتمل بتبادل أطباق الكعك بين العائلات أما اليوم فبالكاد تكفي الكميات التي تُعد الأسرة الواحدة.

ويمر العيد عذا العام على الفلسطينيين والسوريين في ظل ظروف استثنائية وصعبة للغاية نتيجة الانهيار الغير مسبوق لليرة السورية والتي وصلت إلى 1750 ليرة مقابل الدولار الواحد بالإضافة لانعكاسات أزمة كورونا على الواقع المعيشي في البلاد.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.