رصاصات وجراح شاهدة على مجزرة المسجد الإبراهيمي

بدا فجر يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان لعام 1994 (الموافق تاريخه الميلادي 25 شباط/ فبراير)، هادئًا، يُرتل فيه المصلّون آيات قرآنية في رحاب المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل (جنوب القدس المحتلة)؛ حيث لا حواجز احتلالية منعت وصولهم إلى المسجد ولا قيود فرضت على دخول النساء إلى "الإسحاقية" (أكبر منطقة في الإبراهيمي)، على غير العادة، حتى باغت ذاك الهدوء رصاصات أفرغها المستوطن اليهودي باروخ غولدشتاين، في أجساد المصلين الذين انتهى بهم المطاف بين شهيد وجريح.

وأسفرت تلك المجزرة عن ارتقاء 29 شهيدًا فلسطينيًا وإصابة نحو مائتين آخرين، قبل قتل المتطرف غولدشتاين، والذي نفذ جريمته بدعم ومساندة عدد آخر من المستوطنين.

وما زالت رصاصات تلك المجزرة، تسكن أجساد بعض المصابين والجرحى، شاهدة على فصول المجزرة وهول ما حدث في المسجد الإبراهيمي قبل 22 عامًا.

في حين لا زالت صرخات وصيحات أحد المُصلين في "فجر المجزرة" تلامس مسامع الشيخ عادل إدريس إمام صلاة الفجر في المسجد الإبراهيمي، لحظة وقوع الجريمة، الذي قال لـ "قدس برس"، "إن تلك الصرخات منعت استشهاده بعد أن كان ساجدًا".

وأوضح إدريس أن عددًا من المستوطنين اليهود تواجدوا في "الإبراهيمية"، وقدموا المساعدة للمتطرف باروخ غولدشتاين لتنفيذ جريمته، مؤكدًا "سبق الجريمة تهديدات أطلقها المستوطنون بعد صلاة عشاء الخميس 24 سباط/ فبراير 1994".

 

آخر سجود لـ 29 فلسطينيًا..

ما إن قرأ الإمام "آية سجود التلاوة" وسجد ومن بعده المصلون، حتى بدأ صوت الرصاص يدوّي في رحاب المسجد مستهدفاً الشبان والشيوخ والأطفال (...)، ليستمر ذلك عدة دقائق شهدت ارتقاء 29 مصلياً، قبل تمكّن أحد المصلين من الانقضاض على المتطرف غولدشتاين وضربه بواسطة أنبوبة إطفاء الحرائق وقتله، وفقًا لرواية الشيخ إدريس.

وأضاف "ارتقى داخل المسجد 29 من المصلين، وقتل جنود الاحتلال خمسة آخرين على أبواب المسجد، واستشهد عدد آخر خلال محاولتهم الوصول للمسجد وتشييع الشهداء، ليرتفع العدد لـ 50 داخل وخارج المسجد وأثناء التشييع، إلى جانب إصابة 200 آخرين".

وأشار إلى أن "جنود الاحتلال أقدموا على إغلاق أبواب المسجد لمنع المصلين من الخروج، وقاموا بمنع المواطنين من الوصول إلى داخل المسجد لإنقاذ الجرحى".

 

"شهيد شاهد"..

شريف غيث، "شهيد شاهد"، أصيب برصاصتين في الوجه والبطن أفقدته وعيه، ونقل إلى مستشفى "عالية الحكومي" في الخليل، ووضع في "غرفة الشهداء"، عقب تشخيصه كشهيد حينها،  قبل أن يستفق على صراخ أحد الممرضات، وهي تقول "أحدهم يتحرك" ليُنقل سريعًا لغرفة العلاج.

وقال المواطن شريف غيث، من مدينة الخليل وأحد الجرحى الناجين من المجزرة، "إن ما حدث كان مخططًا من قبل المستوطنين وبتواطئٍ من قوات الاحتلال لتنفيذ مجزرة المسجد الإبراهيمي".

وأكد في حديث لـ "قدس برس"، أن الليلة التي سبقت المجزرة شهدت تهديدات للمصلين الفلسطينيين، خلال تأدية صلاة العشاء والتراويح في المسجد الإبراهيمي، مشيرًا إلى أن عددًا من المستوطنين هاجموا المصلين وحاولوا إخراجهم من المسجد بحماية جنود الاحتلال.

وذكر غيث أن قوات الاحتلال "سهّلت" مهمة المتطرف غولدشتاين، من خلال إزالة كافة الحواجز بمحيط المسجد الإبراهيمي قبل الحادثة بليلة، وعدم التواجد على مدخل المسجد، متابعًا "علمت حينها أن شيئًا ما يُدبر في الخفاء لغرابة المشهد".

 

يكبر وفي أعماقه يستقر رصاص الجريمة

الشاب حسام القيسي، أحد الجرحى في مجزرة المسجد الإبراهيمي، ما زالت تسكن في عمق جسده شظايا رصاصات الجريمة؛ منذ 22 عامًا، يُعاني معها ألم لم يفارقه طيلة هذه السنوات؛ فقد أصيب بشللٍ في قدمه اليمنى عقب فشل الأطباء في إخراج "شظايا" رصاص الدمدم المتفجر من عموده الفقري.

وشدد القيسي في حديث لـ "قدس برس"، على أن اللحظات الأولى للمجزرة لم تُفارق ذاكرته، وما زالت أصوات الرصاص تُدوي في مسامعه، إلى جانب أن بعضها الآخر "سترافقه في جسده للأبد".

ويُتابع "ذهبت مع شقيقي للصلاة، وكنت أبلغ من العمر حينها 7 سنوات فقط، أصبت بعدة طلقات ولم أقوى على الوقوف وتلبية نداء شقيق لي وصراخه كي أهرب".

وأضاف القيسي "نُقلت من الخليل لبيت لحم، ومن ثم للقدس وتل أبيب، لتلقي العلاج، بسبب خطورة إصابتي، وأمضيت عامين على سرير العلاج، قبل أن يُقر الأطباء إصابتي بشلل كامل، عدا عن إزالة إحدى كليتي جرّاء وصول الرصاص لها".

 

إصابة مزدوجة تُرجح "نظرية أن المنفذ لم يكن وحيدًا"

رجحت إصابة المواطن حسني الرجبي، بنوعين من الرصاص (دمدم متفجر ورصاص حي)، ومن سلاحين مختلفين، نظرية أن يكون منفذ جريمة المسجد الإبراهيمي "ليس وحيدًا، وأن أشخاصًا آخرين شاركوا غولدشتاين في الجريمة".

وفي هذا السياق، أفاد الرجبي في حديث لـ "قدس برس"، بأنه قد أصيب في يده برصاصتين من سلاحين من نوع مختلف، مؤكدًا أنه لا زال يحتفظ بشظايا من الرصاصة التي استخرجها الأطباء من يده بعد أيامٍ على الجريمة.

وقال إن الأطباء كانوا يُعالجون إصابة بالرصاص الدمدم، تسببت بتفتت العظم بيدي، "ليكتشفوا بعد أيام رصاصة من نوع آخر في ذات اليد". متابعًا "أنا شاهدت اثنين من المسلحين يطلقون النار وثالثًا يُقدم لهم المساعدة من الخارج ويُزودهم بالسلاح".

 

رصاصات الجريمة "شاهدة عليها"

ولا زالت جنبات المسجد الإبراهيمي في الخليل، تحوي أثار رصاصات المجزرة، بالإضافة لذكريات لأهالي الشهداء والجرحى أين استشهد أبنائهم، وأين أصيبوا (في الصف الثاني أو الثالث خلال في الصلاة).

ويُشير مدير المسجد الإبراهيمي، حفظي أبو سنينة، في حديث لقدس برس، إلى أن آثار المجزرة حاضرة لليوم بعد 22 عامًا، "فلا زال آثار الرصاص في المنطقة الإسحاقية، وبعض الرصاصات  التي أصابت المحراب، وكانت باتجاه المنبر والإمام والمصلين، ورغم عمليات الترميم إلا أنها لا زالت باقية تشهد على الجريمة".

وأوضح أبو سنينة أن الأوقاف "وثقت بالصور" آثار الجريمة، وتقوم بعرضها للزوار، مؤكدًا استمرار انتهاكات الاحتلال، "والتي لا زالت أكبر شاهد على الواقع الذي فرضه الاحتلال بعد المجزرة".


ــــــــــــــــــ
من  يوسف فقيه
تحرير خلدون مظلوم

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.