تونس.. جدل فكري وسياسي حول التوجهات الجديدة لحركة "النهضة"

أثارت التوجهات التي أعلنت عنها حركة "النهضة" التونسية، في مؤتمرها العاشر، لجهة التمييز بين السياسي والدعوي، أو ما فُهم عن تخلي الحركة عن انتمائها الإخواني، جدلا في الساحات السياسية والإسلامية التونسية والعربية والدولية.

وقد أكد عضو مجلس شورى حركة "النهضة" جلال الورغي في حديث مع "قدس برس"، أن "النهضة لم تغير جلدها الإسلامي، وإنما عمدت لإبداع شكل سياسي جديد يتناسب وتحديات المرحلة".

وأشار الورغي إلى أن "المؤتمر العاشر للحركة، الذي حضره الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وضيوف عرب وأجانب، حمل رسالة للخارج بان التيارات الاسلامية في بعدها الوطني هي عامل استقرار ووحدة وضمانة أساسية للتحول الديمقراطي والحريات".

وأكد الورغي، أن "الحديث عن البراءة من الاخوان لم ترد على لسان اي من قيادات النهضة ولا وثائقها الرسمية، وأنه إذا كان للنهضة أن تتبرأ من شيء، فإنها تتبرأ من كل العقبات التي تحول دون الانتقال الديمقراطي وانهاء الاستبداد الى غير رجعة".

وأضاف: "التاكيد على خصوصية التجربة التونسية لا يعني باي شكل من الأشكال التخفف او التراجع عن الاهتمام بقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومقاومة كل الأشكال الارتهان والتبعية، بل ان هذه الخصوصية هي المدخل والمرتكز الأساسي باتجاه الدفاع عن قضايا الأمة".

وحول حقيقة الفصل بين الدعوي والسياسي، قال الورغي: "الفصل بين السياسي والدعوي او بالاصح التمييز بين الدعوي والعمل الحزبي، هو مرحلة متقدمة في رؤية إسلاميي تونس في التمكين للمشروع الاصلاحي النهضوي المعني به كل القوى الوطنية على مختلف توجهاتها الفكرية والسياسية، وهي تاكيد على ان التيار الاسلامي في تونس هو قوة للمستقبل، ولذلك من الطبيعي ان يتجدد ويقطع مع الصيغ التقليدية للعمل السياسي والحزبي"، على حد تعبيره.

وكان مدير "معهد الفكر السياسي الإسلامي" بلندن، الدكتور عزام التميمي، الذي حضر فعاليات المؤتمر العاشر لـ "حركة النهضة"، أول من سجل بعض الملاحظات حول المحاذير التي كشفها مؤتمر "النهضة" شكلا ومضمونا.

وأشار التميمي إلى ملاحظة بعض الضيوف غياب ممثلين عن الإخوان المسلمين في مصر، كما أن الشيخ راشد الغنوشي، زعيم الحركة، ذكر في كلمته في افتتاح المؤتمر بلدان العرب والمسلمين ونوه بقضاياه جميعاً، إلا فلسطين.

ولفت التميمي الانتباه أيضا، إلى تصريحات منسوبة للقياديين في حركة "النهضة" لطفي زيتون ورفيق عبد السلام، جوهرها النأي بـ "النهضة" عما بات يعرف اصطلاحاً بـ "الإسلام السياسي" وأخرى تفيد التبرؤ من جماعة الإخوان المسلمين.

وقال: "أتفهم، كما يتفهم كثير من الناس، الظروف الصعبة التي تمر بها تونس، وتمر بها بشكل خاص حركة النهضة، في ظل الهجمة الشرسة على الحركات الإسلامية. وأتفهم أن يسعى إخواننا في حركة النهضة إلى حماية مشروعهم، وتقليص الخسائر المتكبدة بسبب إجهاض الثورات العربية والانقلاب العسكري الغاشم على الديمقراطية في مصر. وأتفهم أن يسعوا للدخول في تحالفات سياسية تضمن حماية تونس مما وقعت فيه مصر وسورية وغيرهما من ضحايا الثورة المضادة التي يقودها أعداء الديمقراطية وخصوم الإنسانية محلياً وإقليمياً ودولياً. وكنت سأتفهم أي إجراءات إدارية وتنظيمية يتخذونها في سبيل ذلك".

وأضاف: "لكنني لا أتفهم أبداً أن يحرص إخواننا على التبرؤ من إخوانهم ورفقاء دربهم ومن وقفوا معهم في محنتهم وكانوا لهم عوناً في أحلك الظروف وأشدها. لا أتفهم بتاتاً ذلك الإفراط في النأي عن جماعة الإخوان المسلمين، رائدة التغيير وحاملة العبء الأكبر في معركة التحرير، هكذا ودون ضرورة لمجرد تحسين صورتهم عند من أنا على يقين بأنه لن يرضى عنهم حتى لو شربوا الخمر وأكلوا لحم الخنزير"، على حد تعبيره.

ثم تبعه في ذلك الكاتب والباحث العربي في التاريخ الحديث الدكتور بشير نافع، في مقال نشره أمس الخميس (26|5) في صحيفة "القدس العربي"، رأى فيه أن ما أكد عليه "النهضويون في مؤتمرهم العاشر أن حزبهم أدار ظهره كلية لهويته الإسلامية السياسية، أنه لم يعد يعتبر الدعوة للإسلام من مهماته، بأي صورة من الصور، أنه يعود الآن حزباً مدنياً، تونسياً، وطنياً، وأن النهضة تقطع صلتها كلية بالإخوان المسلمين، أو أن صلة لم تكن لها أصلاً بهم".

ورأى أن "خطاب النهضة الجديد حمل اعتذاراً عن سنوات من تاريخ الحركة النضالي، وإعلان تحرر من المسؤولية عن ما وصف بأنه جرائم لبعض القوى الإسلامية السياسية؛ كما حمل نزعة تقديسية للدولة التونسية، ونظرة استعلائية لما يحدث في المشرق العربي من اضطراب".

وأكد نافع أن أن القراءة التي يستند إليها هذا الخطاب لأحوال تونس والمحيط العربي، والطريقة المثيرة، بغير ضرورة، التي أخرج بها، ليست صحيحة في كليتها.

وقال نافع: "ليس ثمة شك أن حركة النهضة، التي تغير اسمها أكثر من مرة منذ ولادتها في نهاية السبعينات، اعتبرت دائماً إحدى قوى الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي السياسي. وليس ثمة شك أن الحركة ساهمت في الجدل الفكري والسياسي داخل الجسم العام للإخوان؛ وكان لها، على الأقل في مناسبة واحدة، دور إيجابي في تحولات وتطور رؤية الجماعة، مثل بياني منتصف التسعينات التاريخيين حول مسألة المرأة والنهج الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة".

وأكد نافع أن "علاقة النهضة بالإخوان لم تؤسس عبر جهد دعوى، تآمري، من الخارج، بل كانت خياراً تونسياً بحتاً؛ وأنه من غير الصحيح القول اليوم أن النهضة سجنت طوال عقود في هوية إسلامية سياسية لم تكن ترغب بها".

وحذّر نافع من تبعات الفراغ الذي تتركه النهضة في الساحة الإسلامية بحكم توجهاتها الجديدة، وقال: "القول اليوم بأن النهضة تفصل بين الدعوي والسياسي لا يبدو أنه يؤسس لجديد. في النهاية، ولأن الإسلام السياسي لم يزل ضرورة حيوية لحياة المجتمعات العربية والإسلامية، وأن ما تبقى من مؤسسة العلماء أصبح مشغولاً بالتمييز ما بين نجاسة الخمر وطهارة الحشيش، وتسويغ الطاعة للمستبدين، فإن الفراغ الذي ستتركه النهضة خلفها ستحتله جماعات عدمية من السلفية الجهادية والداعشيين أو من يشبهها".

ورأى نافع أنه ليس في ليس ثمة في تاريخ الإخوان ما يدفع إلى الخجل، أو يستدعي الإدانة، وقال "المشكلة، ليست في خيار التخلص من الصلة الإخوانية، الواهية أصلاً، ولا حتى في التحرر من الهوية الإسلامية السياسية، المشكلة، أن هذه الخطوة تعلن في إطار من لغة تعال على، وإدانة لتيار شعبي واسع، بل ربما يعتبر التيار السياسي الأكبر على الإطلاق في عدد ملموس من الدول العربية".

وحسب نافع فإن "التطور الأبرز في خطاب النهضة الجديد، يتعلق بلغة تقديس الدولة، الذي قال بأنه "يبدو أشبه بلغة بوتين منه إلى لغة الديقراطيين".

وأنهى نافع رأيه بالقول: "الحركات السياسية هي، بالطبع، كائنات حية، وبعض الخشية والتحسس أحياناً ليس بالأمر السيئ. ولكن الخشية والتحسس لا يجب أن تودي بحركة سياسية، ذات تاريخ طويل من النضال والتضحيات، إلى الارتباك والتسرع"، على حد تعبيره.

وكانت حركة "النهضة" التونسية، التي قد عقدت مؤتمرها العاشر أيام 20 و21 و22 أيار (مايو) الجاري، قد أعادت انتخاب الشيخ راشد الغنوشي رئيسا لها بأغلبية مريحة.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.