خبراء عرب: حل الخلافات السعودية ـ الإيرانية ممكن إذا توفرت الإرادة

يجمع سياسيون وعلماء اجتماع سياسي، على أن التعقيد الذي تعيشه دول "الربيع العربي" في منطقة الشرق الأوسط، يعود أساسا إلى حالة الصدام أو القطيعة بين السعودية وإيران.

ويرهن هؤلاء امكانية حلحلة الأمور في كل من سورية والعراق ولبنان واليمن، إلى حل الخلاف الأساسي بين الرياض وطهران.

إلا أنهم يختلفون في ما إذا كانت الظروف مهيأة لحوار سعودي ـ إيراني يذيب جبل الجليد المتراكم بين البلدين، ويسهم في تسوية سياسية لمختلف القضايا العربية الداخلية في الشرق الأوسط على الأقل وتضع حدا لنزيف الدماء المستمر، منذ اندلاع موجات ثورات الربيع العربي أواخر كانون أول/ديسمبر من محافظة "سيدي بوزيد" التونسية.


تحديد المصالح أولا

ففي باريس، استبعد أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة "السوربون" الدكتور برهان غليون في حديث لـ "قدس برس"، امكانية التوصل إلى حل بين السعودية وإيران في المدى المنظور.

وقال: "الصراع طويل على إعادة صياغة الوضع الإقليمي كله، فالنظام الدولي يشارك إلى جانب القوى المحلية في ذلك، وإيران تتابع مشروعها على نحو يهدد أمن دول الخليج، وهذه الأخيرة مستمرة في الدفاع عن أمنها".

وحسب غليون، فإن الحل لهذا الصراع، يكمن في "التوصل إلى تحديد واضح لمصالح الدول الإقليمية، وأن تكون المصالح معقولة".

وأضاف: "إذا كانت مصالح الإيرانيين تقتضي أخذ العراق وسورية تحت نفوذها، فإن ذلك يعني أن المعركة ستستمر للهيمنة على المنطقة بعد انحسار القوة الأمريكية، وصعود قوى دولية أخرى، فالأمر لا يزال في البداية".

وأشار إلى "الصين لم تقل كلمتها بعد، وكذلك الهند، وقال: الصراع سيستمر، وستظل الشعوب (السوريون والعراقيون واللبنانيون والإيرانيون) هي التي تدفع الثمن".

وشبه غليون المرحلة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، بذات المرحلة التاريخية التي عرفتها أوروبا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقال: "نحن نموذج لحرب أهلية مستمرة ولن تنتهي قبل أن يدمر كل الأطراف بعضهم بعضا".

وحول رهانات الحوار بين السعوديين والإيرانيين، قال غليون: "الإيرانيون ليس لهم لغة حوار حتى الآن، وأعتقد أن ذلك ناجم في جزء كبير منه، عن أن القيادة الإيرانية هي قيادة ذات طابع ديني، مما يجعل معارضتها صعبة داخليا، وهذا هو الذي نعنيه بالخلط بين الديني والسياسي".

واعتبر غليون أن حديث إيران عن "تحالف وهابي ـ صهيوني، لمواجهة السعودية ليس إلا غطاء لمشروع الهيمنة الإيرانية على المنطقة لا غير".

وأضاف: "إن التحالف الموضوعي الحقيقي الموجود بالمنطقة هو تحالف إيراني ـ إسرائيلي، بحكم المصالح المتبادلة بينهما، فكلاهما صاحب مصلحة في الهيمنة على المنطقة"، على حد تعبيره.


لا بديل عن الحوار

لكن الوزير اللبناني السابق عصام نعمان، أكد، في حديث خاص لـ "قدس برس"، أنه لا بديل عن الحوار بين السعودية وإيران لحل أزمات المنطقة، وقال: "في عصر أسلحة الدمار الشامل، وسائر الأسلحة الفتاكة، لا يمكن حل أي من الخلافات إلا بالحوار".

وأعرب نعمان "عن أسفه لتأخر الحوار بين الرياض وطهران، باعتبارهما القوتان الأبرز في العالم الإسلامي"، وقال: "لست أدري ما هي الأسباب الفعلية، وليس الظاهرية، التي منعت الحوار بين البلدين حتى الآن، ولكنني لا أرى البتة امكانية لحسم هذه الخلافات في الميدان العسكري، كما يحصل الآن بصورة غير مباشرة في كل من من سورية والعراق واليمن".

وحذر نعمان من استمرار "حالة اللاحوار" بين السعودية وإيران، وأكد "أن ذلك لا يعني إلا المزيد من الاستنزاف، ويعود بالضرر على العالم العربي والمسلمين".

ودعا نعمان القيادتين السعودية والإيرانية، إلى التخلي عن استقواء كل منهما على الآخر بعلاقاته الدولية، وقال: "يقتضي الأمر أن تعرف كل من السعودية وإيران، أن كلا منهما أدرى بحاله ومصالحه من أية قوة خارجية تدعي صداقة مع أي منهما، الأمر الذي يعني أن كلا منهما مسؤول عن نفسه وعن اتخاذ قرار ذاتي بوجوب الحوار بمنأى عن تدخلات القوى الخارجية".

وقلل نعمان من أهمية التداخل بين الديني والسياسي في حل الخلاف السعودي ـ الإيراني، وقال: "سواء تدخل رجال الدين والمراجع الدينية في الأمور السياسية أم لم يتدخلوا فإن القرار في أية دولة سيدة هو للحكومة، وليس لأي حزب أو جمعية أو مرجعية دينية أو أهلية".

وأضاف: "والحال أن الحكومة في كل من السعودية وإيران حكومة مركزية قوية، وبامكانها ممارسة السيادة دونما أي عائق داخلي أيا كانت صفته، كل ذلك يعزز المقولة الاساسية، أن القرار بيد كل من الحكومتين ولا يجوز أن يكون للخارج أيا كان التأثير على الحكومتين"، على حد تعبيره.


المصالحة ممكنة

وفي العاصمة التركية أنقرة، أكد رئيس "المعهد التركي ـ العربي للدراسات الاستراتيجية" الدكتور محمد العادل في حديث خاص لـ "قدس برس"، أن "إيران والسعودية دولتان محوريتان في المنطقة.

وأنه ومهما اختلفت الحسابات السياسية والمذهبية فإنه يجب التوصل على حد أدنى من التفاهم بما يحافظ على مصالح البلدين خاصة الاقتصادية والأمنية".

وشدد العادل على "ضرورة أن تخرج العلاقات بين البلدين من إطار المزاجية والانفعالية إلى صياغة رؤية استراتيجية مشتركة تحمي مصالح البلدين وتعزز الأمن والاستقرار في المنطقة".

وأضاف: "الاختلاف في حسابات السياسة والعلاقات الدولية أمر طبيعي للغاية لكن هذه الحسابات مهما تضاددت لا يجب أن تقود إلى القطيعة".

وتابع: "من أجل مصلحة البلدين والمنطقة أرى أنه من الضروري جدا أن تستعيد العلاقات بين السعودية وإيران عافيتها في إطار احترام خصوصية كل طرف وعدم التعرض لأمن ومصالح كل طرف". 

وحسب العادل فإن "إمكانية المصالحة بين السعودية وإيران ممكنة للغاية لاسيما وأن السياسة الخارجية السعودية في عهد الملك سلمان قد أصبحت أكثر انفتاحا وفاعلية إقليميا ودوليا". 

وأضاف: "لقد أصبحت الرياض رقما إقليميا مهما لا يمكن تجاوزه في أية ترتيبات إقليمية، كما أنه من الناحية الإستراتيجية لا يمكن بأي حال ترك مصير سورية إلى إيران وحزب الله اللبناني.. كما تركت العراق سابقا بسبب غياب الأطراف الإقليمية".

وأكد العادل أنه بالنظر إلى "أن إيران تتحالف مع روسيا وأمريكا بشأن الملف السوري، فإن السعودية وتركيا خاصة مدعوتان إلى صياغة رؤية سياسية جديدة تتفاعل مع المستجدات حتى تتمكن  الرياض وانقرة من فرض رؤيتهما في أية ترتيبات إقليمية محتملة بما يحافظ على مصالحهما وامنهما"، على حد تعبيره.

وتعرف العلاقات السعودية ـ الإيرانية احتقانا تاريخيا لخلافات سياسية وعرقية ومذهبية لم يستطع الطرفان تجاوزها.

وإنقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 1943 بسبب إعدام السلطات السعودية أحد الحجاج الإيرانيين، وقطعت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع إيران من جديد في 1987 بعد مصرع أكثر من 400 شخص، معظمهم إيرانيون، أثناء أدائهم فريضة الحج، في "منى" في صدامات مع الشرطة السعودية عرفت باسم أحداث مكة 1987. 

لكن تمت استعادة العلاقات عام 1991. وقطعتها السعودية مجدداً في مطلع 2016 بعد الهجوم على البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.