فلافل الحنينو في مخيم النيرب.. حميمية التراث والذاكرة

على أطراف مخيم النيرب بحلب في الشمال السوري، من جهة الغرب، وعند نهاية الشارع "النصاني"، كما يحلو لأهالي المخيم تسميته، وفي مساحة لا تتجاوز الـ16مترا مربع، محل بسيط، تهوي إليه أفئدة العاشقين كل صباح، إلا أن يوم الجمعة له وضع خاص.

فمن التقاليد الموروثة في المجتمع الفلسطيني تناول الفلافل والحمص والفول في يوم الجمعة، ما يضفي عليه نكهة إضافية على ما يتميز به الفلسطينيون بشكل عام في تحضير هذه المأكولات.

يمشي "أحمد تعمري" مسافة لا بأس بها من منزله الملاصق لسور "إعدادية عكا" في نهاية شارع "الباصات" من ناحية الشرق، قاصدا محل "الحنينو" لشراء أكلته المفضلة. 

"رائحة الفلافل في كل مكان في المخيم"، يقول تعمري لـ"قدس برس"، ويتابع: "فمحلات الفلافل كلها تكون في حالة استنفار يوم الجمعة"، بالإضافة إلى فلافل الحنينو، لدينا فلافل "جمال" و"نظيرة" و"الأشقر"، وكلهم يتفننون في إغواء المارة برائحة القلي الزاكية.

ويضيف: "ما إن تصل إلى المحل، فعليك أن تحجز دورا، بوضع علامة خلف علامات من سبقوك، لتشكل طابورا من الأشكال، (نقود، مفاتيح سيارة، علبة سجائر فارغة، غطاء قارورة عصير)، وغيرها من العلامات التي يحجز الناس دورهم بها.

ويسرد "تعمري" بعض الطرائف أثناء الانتظار، كمحاولة الصبيان العبث بالعلامات وتغيير مواقعها لصالحهم، أو محاولتهم اقتناص شيء من "التتبيلة" (خلطة الفلافل قبل القلي)، كلما أدار الحاج "حسين حنينو" المعروف بـ"أبو إياد" وجهه ناحية المقلى.

ويستذكر كيف كان هو ورفاقه في طفولتهم، يتسابقون في نهاية العام الدراسي لبيع الدفاتر لمحل الحنينو مقابل بضع ليرات، فلقد كانت الأوراق تحول إلى قبابيع (تحويل الورقة إلى قمع توضع بداخله أقراص الفلافل الساخنة)، لقد كانت لحظات رائعة، كما يصفها "تعمري".

أما صاحب محل الفلافل الأشهر بمخيم النيرب، الحاج "أبو إياد"، يقول لـ"قدس برس": "لقد اعتدت على عبث الصبيان في المحل"، منوها إلى أن شباب اليوم كانوا يمارسون الشغب ذاته عندما كانوا صبيانا، إنهم يكبرون أمام عينيك.

ويضيف: لقد افتتح هذا المحل أولاد "أبو غازي حنينو" في الشهر السابع من العام 1984م، وعمل به مهندسون ومدرسون وأطباء، عرفوا في المخيم بأخلاقهم وأمانتهم وعلاقاتهم الطيبة مع الناس وكان هذا أحد أهم أسباب نجاح المحل.

"كما أن الاعتناء بجودة المواد المستخدمة في عملية الطهي ونظافة المحل، شكلت عامل جذب إضافي للزبائن"، وفق "ابو إياد".

ويستذكر في حديثه لـ"قدس برس"، الأيام الأولى لفتح المحل: "كنا نبيع العشرة أقراص، بليرة سورية واحدة، والشطيرة بليرة ونصف، والعصير بنصف ليرة، أما الآن أصبح قرص الفلافل الواحد بعشر ليرات، وثمن الشطيرة يتراوح بين 100 ليرة إلى 200، بحسب حجمها".

ويعتقد "أبو إياد" أن الربح بسيط، مقارنة بالجهد المبذول، وتكلفة الإنتاج، بالإضافة إلى بعض الصعوبات المتعلقة بتأمين المواد الأساسية ذات النوعية الجيدة وغلاء أسعارها.

وعن واقع المحل اليوم، يقول "أبو إياد" لقد حافظ على اسمه وسمعته منذ إنشائه تماما، كما حافظ على تصميمه الذي بني عليه، فابن الثلاثين عاما، اليوم، يعرف هذا المكان بهيئته الأولى عندما رآه وهو صبي. 

وأكد أن "فلافل حنينو، أصبحت اليوم علامة فارقة، يعرفها الفلسطينيون المقيمون في حلب، واستبعد أن يقوم في المنظور القريب بتوسعة المحل أو تغيير عمرانه، معللا ذلك بالحميمية التي باتت تربطه بالجميع، ولأنه بات يشعر أن البركة في هذا الحيز الصغير".

وتعتبر الفلافل من الأكلات الشعبية التي لا يختلف عليها أحد من الفلسطينيين في الداخل والشتات، حتى باتت جزءا أصيلا من التراث الفلسطيني.

ولطالما حاول الاحتلال سرقة التراث الفلسطيني ونسبته إليه، سرقة امتدت لطعام الفلسطينيين الذي ورثوه عن أجدادهم قبل أن توجد "إسرائيل" ذاتها.

 

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.