منتدون: التطبيع مع الاحتلال اختراق فكري وأخلاقي للوعي العربي

قال باحثون سياسيون وكتاب صحفيون إن إعلان اتفاق التطبيع بين دولة الإمارات ودولة الاحتلال في 13 آب/أغسطس الماضي، يشكل توجها جديدا قد يرسم ملامح خارطة تحالفات جديدة في المنطقة.

وحذّر المشاركون في ندوة "ارتدادت التطبيع العربي الإسرائيلي على مستقبل القضية الفلسطينية"، التي نظمها مركز يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية الإثنين الماضي، من خطورة ارتدادات هذا التطبيع على القضية الفلسطنيية.

وأجمع المنتدون على دور تطبيع العلاقات السلبي، في اختراق الوعي العربي فكريا وأخلاقيا، وتهيئته للقبول بالكيان الإسرائيلي، بالتزامن مع حملة ممنهجة سبقت هذا التطبيع لتشويه النضال الفلسطيني والتنكر لقضيته.

أندوني: اتفاق التطبيع ضمن خطة لعزل الفلسطيني عن محيطه

وأشارت الكاتبة الصحفية الفلسطينية لميس أندوني، إلى أن تطبيع العلاقات بين دولة الإمارات ودولة الاحتلال، هو الأول من نوعه بين دولة الاحتلال ودولة عربية، خارج نطاق دول الطوق.

ولفتت أندوني إلى أن التطبيع يخدم المشروع الصهيوني من عدة نواحي، منها اقتصادية، ومنها ما يتعلق بإيران حيث تشكل منطقة الخليج حاجزا بينها وبين العالم العربي، محذرة من الخطة الاستراتيجية الأمريكية، التي تسعى إلى عزل الشعب الفلسطيني عن محيطهم العربي، من أجل فرض شروط الاستسلام عليهم.

وأوضحت أندوني، أن المطلوب أمريكيا هو تكوين علاقات "عربية إسرائيلية" فوق الطاولة، وليس تحتها كما كان في الفترة الماضية، مشيرة إلى  أن العلاقات العلنية الرسمية بين العرب ودولة الاحتلال تؤثر على وعي الشعوب لأن "الخطاب السياسي الرسمي العربي يعمل على تشويه وعي الشعوب".

وقالت أندوني: " إن الحكومة الإماراتية تتبنى كامل الرواية الصهيونية، وهذا أمر خطير لم يحدث من قبل".

وبينت أنه بالرغم من غياب الوعي الرسمي بخطر الاحتلال الإسرائيلي على الامن القومي العربي، إلا أن استطلاعا أجراه مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، كشف أن الغالبية العربية لا تؤيد التطبيع مع "إسرائيل" والرواية الصهيونية.

وأردفت أن من المقلق أن 20% من الإماراتيين بحسب الاستطلاع يؤيد التطبيع مع الاحتلال مشيرة إلى أن التطبيع، عمل ممنهج لتشويه الوعي العربي لدرجة وصلت إلى عدم اهتمام مفكرين وصحفيين عرب بالحديث عن خطورة "إسرائيل" على بلدانهم.

أيوب: إعلان التطبيع طعنة في الصدر

بدوره يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، حسن أيوب، أننا بحاجة إلى خطاب ينظم الفعل الفلسطيني تجاه ما يحدث في المنطقة العربية.

ووصف أيوب التطبيع الاماراتي مع الاحتلال بـ"الانزياح الاستراتيجي" لواقع سياسي يعود للعام 2003، وهو العام الذي احتل فيه العراق، والذي كان يمثل "ذروة تفكك ما كان يعرف بالنظام العربي الرسمي الذي بدأ عام 1991 في حرب الخليج الثانية".

وشدد أيوب على ضرورة فهم ما الذي تغير في هذا المحيط الاستراتيجي الجيوسياسي؛ حتى تقدم دولة كالإمارات على التطبيع علنا مع الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدا أن العلاقة بين الامارات والاحتلال بدأت فعليا عام 2002، عندما قام وزير الاتصالات الصهيوني آنذاك بزيارة الامارات بإيعاز من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرئيل شارون، حيث جرى هناك تنسيق أمني على مستوى عالي لمواجهة الخطر الإيراني.

 ولفت أيوب إلى أن العلاقة "الإماراتية الإسرائيلية" شهدت تحولا دراماتيكيا عام 2011 مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي شكلت خطرا على الأنظمة العربية و"إسرائيل" على حد سواء؛ فنشأ حلف أمني استراتيجي بين هذه الدول بإسناد أمريكي بالتزامن مع التدهور المتطرد على القضية الفلسطينية والأداء الفلسطيني الذي بدأ منذ وفاة الراحل ياسر عرفات، وما تلاه من انتخابات والانقسام والقبول بمفاوضات دون شروط بالتزامن مع تراجع الدور العربي.

واعتبر أيوب أن إعلان التطبيع بين الامارات والاحتلال لم يكن طعنة في الظهر، وإنما طعنة في الصدر وأمام عيون الجميع.

البغدادي: يراد للمشروع الصهيوني أن يكون جزءا من منظومة الأمن القومي العربي

من جانبه أكد الباحث الفلسطيني علي البغدادي، "أننا بحاجة إلى إعادة تعريف بديهيات المبادئ العربية، والأمن القومي العربي، في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري التوسعي الإحلالي، الوحيد في العالم الذي يحمل هذه الصفة، والذي يراد منه أن يكون جزءا من منظومة الأمن القومي العربي".

وأشار البغدادي إلى أن الاحتلال، لجأ منذ البداية لسياسة الأطراف لمحاصرة المنطقة العربية، فأقام علاقات مع تركيا وإيران الشاه وأثيوبيا، واليوم تجدد هذه السياسة بعلاقات مع تشاد والهند وتحاول مع السودان وفي سعي لضمان الامن الإسرائيلي على مدى واسع.

وبين أن الاحتلال كان يعاني تاريخيا من عزلة وأزمة؛ "لذلك كان لابد من وجود عرّاب يخرجه من هذه الازمة ومن هنا جاء هذا الاتفاق التطبيعي مع الإمارات".

وعن دلالات توقيت هذا التطبيع، أوضح البغدادي أنه جاء لاعتبارات أمريكية وإسرائيلية، وليس لاعتبارات عربية أو فلسطينية، وأضاف: "رأينا كيف نفى نتنياهو وجود اتفاق لوقف الضم مقابل التطبيع، وهذا يشير إلى أن هذا التطبيع جاء لتمكين نتنياهو سياسيا".

وأشار البغدادي إلى أن التطبيع لم يكن مفاجئا؛ فقد سبقه على مدار السنوات الماضية تعاون أمني، ومناورات عسكرية مشتركة، وتعاون في مواجهة "كورونا"، ورأن ما جرى اليوم هو انتقال من تحالف موجود على الأرض إلى تطبيع معلن.

وحذر البغدادي من مرحلة جديدة، من مراحل تصفية القضية الفلسطينية وفق خطة السلام الأمريكية  "صفقة القرن"، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي يسعى من خلالها لإحباط أي محاولة نضالية للشعب الفلسطيني، وتكريس مفهوم أن "الفلسطينيين وحدهم، وأن الاحتلال يحقق مكسبا جديدا كل يوم".

ورأى البغدادي في اتفاق التطبيع، استمرارا لإعادة تعريف العدو والصديق؛ "فالإمارات التي تحلم بمشروع الامارات الكبير وبأن يكون لها دور فاعل في المنطقة لا يمكن أن يتحقق لها هذا الامر دون وجود حليف قوي ووجدت ضالتها في دولة الاحتلال الصهيوني".

ولفت البغدادي إلى أن المصريين رغم اتفاق "كامب ديفيد"، ظلوا ينظرون إلى الاحتلال كعدو، وإلى الفلسطينيين كصديق من منظور الأمن القومي، على عكس ما نراه في التطبيع الاماراتي من تطبيع تجاري وأمني وثقافي، وإنتاج تلفزيوني، وتضليل إعلامي في وسائل التواصل الاجتماعي، ووسم الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم،  والإساءة إلى نضالات الشعب الفلسطيني.

 وأكد البغدادي أن الاحتلال، ورغم محاولاته الحثيثة للتطبيع الكامل مع الدول العربية، إلا أن هذه الاتفاقيات ستبقى عبارة عن قشور، لن تتمكن من الوصول إلى وعي الشارع العربي، لأن قضية فلسطين ما تزال حاضرة في وجدانه، وستظل القضية الفلسطينية أحد أهم محركات السياسة في العالم العربي.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.