جمعة الطحلة .. بحث عن الشهادة في لبنان وباكستان ونالها في غزة

مسؤول الأمن السيبراني في كتائب القسام

على أعتاب حياة جديدة، لفتاة تحلم ببيت وزوج وأطفال يلعبون حولها في فناء منزل، تصف مريم الطحلة لـ"قدس برس" حالها، عندما تقدم جمعة الطحلة لخطبتها، "الزوج ثم الشهيد لاحقًا".

وتشير "أم مجاهد" إلى استغرابها من سؤال الشهيد الطحلة لها حينها، "بتقدري تتحملي معي الطريق؟"، وأنها "لم تكن تعي أو تعلم إلى سيأخذها هذا الطريق"، عند تقدمه لخطبتها في بداية حياتها معه.

وتوضح: "كنت فتاة صغيرة، لا تعرفُ كثيرا عن الجهاد، لكنني ركبت معه رياح الحياة وخضت عواصفها برفقته"، مستطردة: "لم أستطع أن أقول لا، حتى أنها لم تكن داخل قاموس كلماتي".

وتلخص "أم مجاهد" بعض مواقف عاشتها مع "أبو مجاهد"، بدأت بعبورهما الجبال والصحاري في باكستان، مرورًا بمشيهما تحت أزيز الرصاص ولهيب النيران في لبنان، وختاما بدخول أنفاق غزة، ومغادرتها القطاع قبل استشهاده".

حياة مليئة بمحطات الجهاد

"عاش أبو مجاهد حياته مولعا بالجهاد والمجاهدين، ولم يكن يمنعه مكان أو زمان عن التصدي لأعداء الإسلام، واعتبرها مهمته التي خلقه الله من أجلها"، تقول "أم مجاهد".

وتتابع "أم مجاهد": "نشأ زوجي في مدرسة الإخوان المسلمين، وتربى على يد القادة أمثال: يوسف العظم، وعبد الله عزام، وغيرهم، وتعلم منهم حب الجهاد والاستشهاد، وزاد من تعلقه بالجهاد تأثره بقصص والديه حول النكبة واللجوء، واستشهاد شقيقه الأكبر في ستينيات القرن الماضي بعد انضمامه للثورة الفلسطينية".

 وتفتح "أم مجاهد" ذاكرتها على صفحات لم تغلق بعد، فتقول: "أذكر أننا نزلنا في طائرة بمدينة إسلام أباد، وسرنا بحافلة لمدة ثلاث ساعات، كنت متعبة مجهدة إلا أن يديه كانت تلتف حولي لتمنحني الاطمئنان، وكلما كانت الحافلة تهتز وترتج، كان يطوقني بذراعيه".

وتضيف: "ثم عدنا إلى الأردن وعمل فيها فترة، لكن شعلة الثورة ظلت مشتعلة بداخله مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ظل يجند المجاهدين، بعد ذلك سافرنا إلى الإمارات بعقد عمل وبقينا هناك سنوات لتحسين ظروفنا المادية، واشترينا بيتًا مميزًا بمنطقة راقية وافتتح شركة مقاولات".

مهمة جديدة

في هدوء وسكينة تستحضر "أم مجاهد" شريط الذكريات: "طلبت قيادة حركة حماس في سوريا من زوجي العمل في قسم التصنيع العسكري للحركة في دمشق، فقرر ترك عمله بالإمارات، والمغادرة إلى هناك في العام 2005".

وتردف: "هناك بدأ العمل في مجالات التصميم والتصنيع، والمشاركة في تطوير أسلحة كتائب عز الدين القسام وأساليبها القتالية والبرامج الإلكترونية وغيرها".

وتواصل حديثها: "بناء على طلب من قيادة المقاومة في غزة وتلبية لنداء الجهاد، سافر أبو مجاهد الى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، إلا أن الأمن المصري اعتقله وأودعه سجن أبو زعبل، قبل أن يخرج من السجن بعد سقوط نظام مبارك عام 2011 إثر ثورة يناير".

وتستذكر "أم مجاهد" كلمات زوجها الشهيد "والله لخلي نتنياهو يندم على الساعة الي ولدته فيها امو"؛ للشد من أزرها ومواساتها بعد شعورها بهلع وخوف شديد، أثناء وجودهما داخل أحد الانفاق قادمين إلى غزة.

وبعد وصول الطحلة إلى غزة عام 2011، عمل على استكمال مشواره في الأمن السيبراني والتصنيع العسكري، فعمل في تصنيع وتطوير الصواريخ وقوتها التدميرية، وتصنيع طائرات الاستطلاع والمراقبة، وصولا إلى تطوير البرامج المتعلقة بالحرب الإلكترونية والأمن السيبراني والتطوير العلمي في كتائب القسام، وفقًا لـ"أم مجاهد".

وتشير "أم مجاهد" إلى أن بيتهم في القطاع، تعرض للقصف في حرب عام 2014، دون أن يتعرض أي منهم للأذى، وأنها غادرت مع أولادها: مجاهد، فارس، عمر محمد، ودعاء، غزة إلى الأردن بعد قصف البيت، وبقي زوجها "أبو مجاهد".

وتصف لحظة قصف المنزل: "عشت على وقع صواريخ سقطت فوق منزلنا، خرجت مع ابني وزوجة ابني بشكل سريع وعلى غير العادة وكأن ساعة الرحيل باتت قريبة، ولكن بدون أبو مجاهد الذي لم يكن في البيت".

اصطفاء وشهادة

وتروي "أم مجاهد" الفصل الأخير لقصتها مع زوجها حين استشهاده في معركة "سيف القدس" في 12 أيار/مايو الماضي، برفقة عدد من قادة كتائب القسام: "مشينا في هذه الطريق سوية، وكنت أتمنى أن نخرج سوية، لكن قدر الله أن يصطفيه ويستشهد في غزة برفقة من أحب من القادة، وأنا بعيدة عنه، حيث لم أكن أتمنى ذلك".

وتقول ابنة الشهيد جمعة الطحلة، دعاء: إنها "تلقت نبأ استشهاده بالفرح له لهذه الخاتمة، في آخر يوم من شهر رمضان، كان صائما مجاهدا مرابطا في خير بقاع الأرض جهادا، (وخير رباطكم عسقلان)".

وتضيف لـ"قدس برس": "هذه أفكار تمنعك من الحزن، وتقول لك ارفع رأسك، أنت ابن الشهيد"، وهي تصف مشاعر الفخر والفرح المخلوط بالحزن على فراقه وعدم وداعه والمشاركة في تشييع جنازته.

فيما كشف ابن الشهيد الطحلة، مجاهد، لـ"قدس برس" أن والده أبلغه في آخر اتصال بينهم قبل الحرب الأخيرة على غزة، أنه قد أدى ما عليه في غزة، مبشرصا بقرب عودته إلى الأردن.

ويقول: "كان والدي يسعى للخروج للالتحاق بالعائلة، بعد أن أدى دوره في غزة على أكمل وجه، لكن قدر الله نافذ ليستشهد هناك".

ويرثي مجاهد والده: "دمه الفلسطيني وهويته الأردنية لم تقف حاجزا في التصدي لقوات الاحتلال في حربها ضد لبنان عام 1982".

 ويضيف: "أول معركة شارك بها كانت في التصدي للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، حيث شارك مع المقاتلين هناك واكتسب من المشاركة في المواجهات خبرات قتالية في مواجهة العدو، ومعرفة باستخدام الأسلحة المتنوعة".

ويلفت "مجاهد" الابن الانتباه إلى سفر والده "المجاهد" في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلى باكستان للمشاركة مع المجاهدين العرب في حرب أفغانستان بقيادة الشهيد عبد الله عزام، ومكوثه هناك أربعة أعوام "لم ترى الراحة لعينيه مطرح".

وولد جمعة الطحلة (59 عاما)، لعائلة تعود أصولها إلى مدينة الرملة الفلسطينية، وانتقلت إلى العيش في الأردن عقب نكبة عام 1948، ليعيش ويترعرع في الأردن، حيث درس الهندسة المدنية في الجامعة الأردنية.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.