الأردن.. لاجئون يشتكون من "الدعم النخبوي" في أكبر المخيمات الفلسطينية

أثناء تجوالك في أزقة مخيم البقعة شمالي العاصمة الأردنية عمّان، والذي يعد أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني من حيث عدد السكان في العالم، تشدّك رسومات على جدران مبانيه المتهالكة، تعبر عن التشبث بحق العودة، والفخر بصمود المقاومة الفلسطينية، وصلابة الأسرى في مواجهة الاحتلال الصهيوني.

وإذا ما طرقت أبواب بيوت المخيم، التي توصف شعبياً بـ"الزناكيات" نسبة إلى ألواح "الزينكو" التي تشكل أسقف تلك البيوت، سيخرج لك من يحدثك عن معاناة توارثها الأحفاد عن الأجداد منذ نكبة الـ48، وما خلفته من تشرد لملايين الفلسطينيين في أصقاع الدنيا، كان تجمعهم الأوسع في الأردن.

ومن داخل أروقة "مخيم البقعة" تستطيع أن تسمع ذلك الجدل حول الموقف من الخدمات المقدمة لسكان المخيم، والذي ينطلق من مقولة إن الأوضاع الاقتصادية السيئة داخل المخيم؛ هي امتداد طبيعي للأوضاع الاقتصادية للدولة الأردنية المستضيفة، فيما يرى آخرون أن المخيم يعاني من التجاهل والاستثناء من مشاريع التنمية والتطوير.

"دعم نخبوي"

يقول اللاجئ محمد الشطرات، القاطن في منطقة "الشويح الغربي" بمخيم البقعة، وهو يشير إلى أحد الشوارع غير المعبَّدة، حيث تتراكم النفايات على جوانبه، وتفوح منه روائح الصرف الصحي الكريهة: "أتحدى أي وزير أو مسؤول أو نائب برلمان؛ أن يرتضي المرور في هذا الشارع بسيارته، فضلا عن أن يمشي عليه راجلا".

وألقى الشطرات باللوم على المسؤولين عن المخيم بشكل عام، "فهم يبررون كل ما نعانيه، ويشعرونك أن الأوضاع مريحة، ونسبة البطالة ضمن المعدل الطبيعي، والحقيقة أن البطالة والفقر بنسبة 85 في المئة" حسب قوله لـ"قدس برس".

وهو ما أكده لاجئ آخر يدعى إبراهيم السبعاوي، حيث قال إن "المسؤولين (عن المخيم) يتجاهلون مطالبنا، وينتظرون من يأتيهم من أبناء المخيم للتسول، حتى يتكرموا عليه بالعطف، وقد لا يتعاطفون معه نهائياً"، على حد قوله.

وأشار في حديثه لـ"قدس برس" إلى وجود العديد من الجهات الداعمة لأبناء المخيم، وفي مقدمتها الديوان الملكي الأردني، "ولكنه دعم يوجه للجمعيات الخيرية، ودائرة الشؤون الفلسطينية، ولجنة خدمات المخيم، والنوادي"، في إشارة منه إلى أنه "دعم نخبوي".

واتهم السبعاوي مسؤولين في المخيم بـ"ممارسة الفساد والكسب غير المشروع"، على حد زعمه، من خلال "تجويع الناس ونهب ما يقدم لهم، وإفادة أبنائهم ومعارفهم، والذين في أغلبهم انتقلوا للسكن في العاصمة عمّان، مع الإبقاء على مساكنهم في المخيم، كي يواصلوا تلقي المعونات والمساعدات التي تأتيهم من عدة جهات خيرية ورسمية"، ولم يتسن لـ"قدس برس" التأكد من دقة وصحة هذه الاتهامات.

يشار إلى أن لجنة خدمات المخيم، يتم تعيينها بالتنسيق مع دائرة الشؤون الفلسطينية التابعة لوزارة الخارجية الأردنية، ويتلقى موظفو تلك اللجنة تعليماتهم من جهات رسمية أردنية.

"المخيم متساوٍ مع المدن الأردنية"

وفي المقابل؛ قلل رئيس لجنة خدمات مخيم البقعة، حسن مرشود، من أهمية شكاوى سكان المخيم من البطالة، مشيرا إلى أنها "مشكلة عامة، يعاني منها جميع سكان بالأردن، وحديث البعض عن ارتفاع نسبتها في المخيم، سببه وجود ما يقارب 150 ألف شخص في مساحة جغرافية تقدر بـ2.5 كيلومتر مربع" على حد قوله.

ورأى مرشود في حديث مع مراسل "قدس برس" أن "نسبة البطالة لا تتجاوز 15 - 20 في المئة، ولكنها ضخمة قياسًا بعدد سكان المخيم"، لافتاً إلى أن "أكثر فترة عانى فيها أبناء المخيم هي فترة جائحة كورونا، وكان للحكومة الأردنية مساهمة طيبة في تخفيفها" وفق تعبيره.

وينفي مرشود، وهو موظف يتبع دائرة الشؤون الفلسطينية بوزارة الخارجية الأردنية، وجود مشكلة خاصة بالمخيم، مختلفة عن مشاكل مدن وقرى الأردن، "باستثناء النظافة التي تتحملها وكالة الغوث، وعدم السماح لأبناء المخيمات بالدخول في السلكين العسكري والأمني إلا بنسب ضئيلة، مؤكداً أن "أبناء المخيم لا يتعرضون لأية مضايقات على الإطلاق، والتنافسية تحكم الجميع، سواء في الدراسة أو العمل".

وأضاف: "حتى إن لم يعمل ابن المخيم في السلك العسكري فهو مجتهد بطبعه، فهو لا يجلس في بيته، ويقتحم جميع المهن بلا ثقافة عيب أو خجل، وقد حقق كثيرون بذلك مرادهم، وأصبحوا أصحاب رؤوس أموال".

واعتبر مرشود أن المشكلة الأولى في مخيم البقعة هي مسألة النظافة، التي "على كافة المسؤولين في الأردن أن يسعوا لحلها"، وقال إن "وكالة الغوث تقوم بمهمة النظافة، ولكن إمكاناتها ضعيفة، فدوام موظفيها من عمال النظافة من السابعة صباحًا إلى الواحدة ظهرًا، وما بعد ذلك لا يوجد من يقوم بهذه المهمة".

وأوضح أن ملف النظافة في المخيم ومسؤولية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين عنه "تدخل في جدلية التوطين، وإلا لحلت البلديات مكان الوكالة، وانتهت مشكلة عدم النظافة من جذورها" على حد تعبيره.

وحول سبب عدم قدرة خروج كثير من أبناء المخيم للسكن خارجه؛ قال مرشود إن "الآلاف غادروا المخيم واستقروا قريبًا منه أو في مدن أخرى، ومسألة البقاء في المخيم ليست مرتبطة بالوضع المادي دائمًا، فقد تكون متعلقة بالروابط الاجتماعية والعلاقات والعادات".

وبالنسبة لمستوى التعليم والصحة في المخيم؛ أكد مرشود أن "وكالة الغوث تقوم بدورها على أتم وجه، فضلًا عن التأمينات الصحية التي يحصل عليها موظفو الحكومة والقطاع الخاص، وما تقدمه الدولة الأردنية من رعاية صحية، فلا يوجد أي تقصير، وحال المخيم كأحوال بقية المحافظات والألوية الأردنية الأخرى".

وبحسب تصريحات مرشود، فإن أبناء مخيم البقعة "يتلقون دعماً مادياً ومكرمات ملكية، أكثر من غيرهم من أبناء المدن والقرى الأردنية، متابعاً: "ففي شهر رمضان مثلا، كانت هناك مساعدات شبه أسبوعية، قدمتها عدة جهات عربية ومحلية، وأشرفت على توزيعها الهيئة الخيرية الهاشمية".

ولكن اللاجئ نايف سالم، أكد لـ"قدس برس" أن المعنيين بالاستفادة من مساعدات الجمعيات ومعونات الأمم المتحدة والمكرمات الملكية، هم "جزء من أبناء المخيم، لا يتعدون ما نسبته 5 في المائة، وهم المسؤولون ومعارفهم، فضلا عن المحسوبين بعض التنظيمات الفلسطينية، الذين تصلهم رواتب شهرية".

يشار إلى أن مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين، هو أحد 13 مخيما للاجئين في الأردن، تأسس عام 1968 على مساحة 1496 دونما، ويقدر عدد سكانه بنحو 128 ألف نسمة موزعين على 11500 وحدة سكنية، وذلك بحسب ما نشر على موقع "دائرة الشؤون الفلسطينية" التابعة لوزارة الخارجية الأردنية.

ويتمتع معظم سكان المخيم، بالجنسية الأردنية الكاملة، ويمارسون حقهم في الانتخاب والترشح للبرلمان، وذلك ضمن محافظة "البلقاء" التي يتبع لها المخيم.

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.