تزايد وتيرة "الاعتقالات السياسية" في الضفة.. الواقع والتداعيات

تزايدت وتيرة الاعتقالات السياسية التي تشنها أجهزة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وفق مؤسسات حقوقية، في صورة مشابهة لتلك التي كانت سائدة في السنوات التي تلت الانقسام الفلسطيني الداخلي عام 2007.

ووفق مراقبين؛ فإن أكثر الاعتقالات تشمل المحسوبين على حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، إضافة إلى معتقلين من حركة الجهاد، وآخرين معارضين للنهج السياسي للسلطة الفلسطينية من أبناء حركة "فتح" وأنصارها.

وتؤكد جهات حقوقية أن وتيرة الاعتقالات والملاحقات ارتفعت بشكل غير مسبوق في الضفة، منذ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، مشيرة إلى أن حملات اعتقال شنتها السلطة الفلسطينية عقب قرارها تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في أيار/مايو الماضي، وإثر الاحتجاجات على مقتل المعارض السياسي البارز نزار بنات على أيدي عناصر من جهاز الأمن الوقائي في 24 حزيران/يونيو الفائت.

وتشير الإحصائيات غير الرسمية، إلى أن أعداد المعتقلين، ما بين موقوفين أو مفرج عنهم، منذ منتصف أيار/مايو الماضي وحتى 20 كانون أول/ديسمبر الجاري؛ زاد عن 300 معتقل، إضافة إلى مئات الاستدعاءات التي يتم إرسالها للنشطاء للحضور إلى المقرات الأمنية، حيث يخضعون للتحقيق قبل الإفراج عنهم.

وقالت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، في بيان تلقته "قدس برس" أمس الثلاثاء، إن "الأجهزة الأمنية ارتكبت على مدار الأسبوعين الماضيين، 107 انتهاكات بحق الفلسطينيين على خلفية الرأي والتعبير".

وأوضحت الانتهاكات شملت 71 حالة اعتقال سياسي، و20 استدعاء، و16 مداهمة لمنازل الأهالي في مناطق مختلفة بالضفة المحتلة، مشيرة إلى أن الاعتقالات طالت أسرى محررين وجرحى ونشطاء وحقوقيين.

شهادة حيّة

وقال معتقل سياسي (ن. م) طلب عدم الكشف عن هويته لـ"قدس برس"، إنه اعتقل في الثامن من الشهر الحالي من عناصر بزي مدني داهموا المكان الذي يعمل فيه في وضح النهار، "وأشهر أحدهم مسدساً في وجهي، وهددني إن رفضت الصعود معهم إلى مركبتهم".

وأضاف المعتقل، الذي أفرج عنه مؤخراً من سجن "جنيد" بمدينة نابلس شمال الضفة: "طلبت من العناصر الأمنية إبراز بطاقة تعريفية بهم، فرد أحدهم برفع سلاحه في وجهي وأمام زملائي، وقال لي (إحنا وقائي)".

وأكد أن الضرب والشبح والتعذيب يمارس في المقرات الأمنية للسلطة الفلسطينية، لافتاً إلى أن التحقيق معه كان يتركز على الاستعدادات لإحياء ذكرى انطلاقة "حماس" بالضفة.

وتابع المعتقل: "أبلغني المحققون مرارًا أنهم لن يسمحوا برفع رايات الحركة الخضراء في أي فعالية مهما كانت، ولن يتوانوا عن قمع الفعالية واعتقال القائمين عليها".

ولفت إلى أنه لم يعرض على المحكمة إلا في اليوم الخامس لاعتقاله، الذي جرى تمديده لـ10 أيام بحجة استكمال التحقيق، بناءً على توصية أمنية.

شرعنة الانتهاكات

من جهته؛ أكد مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة" المحامي مهند كراجة، أن السجون التابعة لجهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة الفلسطينية "أصبحت تعج بالمعتقلين السياسيين، ما يؤكد تردي أوضاع حقوق الإنسان في الضفة".

وأوضح لـ"قدس برس" أن "أغلب الاعتقالات تجري دون إبراز مذكرة توقيف أو تفتيش صادرة من جهات الاختصاص ممثلة بالنيابة العامة".

واستدرك كراجة بالقول إن "الانتهاك الأخطر هو شرعنة هذه الاعتقالات من الجهات المختصة، بهدف توفير مساحة أوسع تتيح لجهات التحقيق التابعة للأجهزة الأمنية الاستحواذ على صلاحيات النيابة العامة، وإطالة مدد التوقيف التي باتت غالباً أداة عقاب في يد أجهزة الأمن؛ ضد النشطاء السياسيين وأصحاب الرأي".

وأضاف أن "الانتهاكات لا تتوقف عند هذا الحد، فغالباً ما يتم منع محامينا من الالتقاء بالمعتقلين لأخذ وكالة منهم للترافع والدفاع عنهم أمام المحاكم الفلسطينية، وفي بعض الأحيان يتم تهديد المعتقل في حال أراد توكلينا لمتابعة ملفه".

وصفة للحرب الأهلية

ورأى رئيس تجمع الشخصيات المستقلة بالضفة الغربية، خليل عساف، أن "الاعتقال السياسي وصفة فعالة للحرب الأهلية، وأسلوب قمعي لإسكات أي صوت ينتقد حالة الظلم والفساد الطاغية" وفق تعبيره.

وقال لـ"قدس برس" إن "عائلات المعتقلين تتواصل معي، وتكشف عن تعرض ابنهم أو تعرض أفراد العائلة لاعتداءات لفظية وجسدية خلال قيام رجال الأمن بتنفيذ الاعتقال، حيث لا يتوانون عن الشتم والضرب ورفع السلاح، وانتهاك حرمات البيوت".

ووصف عساف الاعتقالات التي تجري في الضفة من قبل أجهزة السلطة، بأنها "سياسية بامتياز"، محذراً من إحداثها مزيداً من الانقسام في الشارع الفلسطيني.

وأوضح أن "النيابة العامة توجه للمعتقلين تهم إثارة النعرات الطائفية، وإقامة التجمعات، وتلقّي وجمع الأموال، وحيازة السلاح، وغيرها، ولاحقًا يتبين أنها مجرد اتهامات لا أساس لها من الصحة، ويتم إطلاق سراح المعتقل، ولكن بعد أن يناله وينال عائلته الذل والمعاناة".

وكان ممثلون عن الاتحاد الأوروبي، قد وجهوا في 24 آب/أغسطس الماضي، انتقادات للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لاعتقال أجهزتها الأمنية عشرات النشطاء السياسيين، وهي الأجهزة ذاتها التي دربتها الشرطة الأوروبية وزودتها بالمعدات.

ورأى ممثل الاتحاد الأوروبي ورؤساء بعثات دول الاتحاد في القدس ورام الله، ورؤساء بعثات النرويج وسويسرا والمملكة المتحدة، في بيان مشترك، أن استخدام العنف ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والمتظاهرين السلميين "أمر غير مقبول".

أخبار متعلقة

شاركنا برأيك

تابعنا على الشبكات الإجتماعية

وكالة “قدس برس” للأنباء، شركة محدودة، مقرها الرئيس في بريطانيا ولها مكاتب إقليمية وفروع ومراسلون في أرجاء العالم. والوكالة هيئة مستقلة تأسست في الأول من حزيران (يونيو) 1992 وهدفها تقديم الخدمات الإعلامية متعددة الأوجه.